هل ستدخل إيران في مواجهة عسكرية مباشرة مع إسرائيل؟ اكتشف التفاصيل!

منذ فبراير 1979 وحتى أبريل 2024، مر حوالي 45 عاماً من العداء المعلن بين إيران وإسرائيل. خلال هذه الفترة، لم يدخل البلدان في أي مواجهة مباشرة ومعلنة منذ تولي روح الله الخميني الحكم بعد انتصار الثورة الإسلامية.
كانت الصواريخ والطائرات المسيرة التي أطلقتها إيران على إسرائيل في الرابع من أبريل من هذا العام “رداً” على استهداف قنصليتها في دمشق، أول مواجهة عسكرية مباشرة من نوعها بين البلدين. تلا ذلك رد من إسرائيل اعتُبر “شكلياً”.
لكن المواجهة عادت لتشهد جولة ثانية من القصف الصاروخي الباليستي الإيراني، الذي وصفته صحيفة “وول ستريت جورنال” بأنه “الأكبر من نوعه” في تاريخ الحروب، وذلك “رداً” على مقتل رئيس المكتب السياسي لحركة “حماس”، إسماعيل هنية، واغتيال أمين عام حزب الله، حسن نصر الله، مع ضابط إيراني رفيع هو نائب قائد العمليات في الحرس الثوري الإيراني.
العالم اليوم ينتظر رد إسرائيل على هذا الهجوم الإيراني المتوقع أن يستهدف أهداف إيرانية مباشرة بما فيها المنشآت النفطية.
بعد غارات عنيفة جداً.. إسرائيل تعلن استهداف مستودعات أسلحة لحزب الله في بيروت
شن الجيش الإسرائيلي غارات عنيفة على الضاحية الجنوبية لبيروت كجزء مما قال إنه عمليات ضد حزب الله اللبناني المدعوم من إيران.
على مدى عقود طويلة كانت المناكفات بين البلدين تتم عبر وكلاء إيران في المنطقة مثل حزب الله وحماس و”الجهاد الإسلامي”، وأيضًا الميليشيات العراقية والحوثيين. وفي بعض الأحيان كانت إسرائيل تنفذ مهام استخبارية داخل الأراضي الإيرانية دون أن تعلن مسؤوليتها عنها.
أما اليوم فتزداد احتمالات الحرب المباشرة بين إيران وإسرائيل مع استعداد الأخيرة لرد وصفته بـ”القوي” على الهجوم الصاروخي الإيراني الأخير.
ماذا نعرف عن المنظومة العسكرية الإيرانية؟
تعتبر المؤسسة العسكرية بالنسبة للنظام الإيراني “أداة مهمة لحفظ النظام وديمومته”، كما يقول ضاري سرحان الحمداني في كتابه “سياسة إيران تجاه دول الجوار”. وتؤدي هذه المؤسسة دورًا بارزًا ومؤثرًا في الحياة السياسية الإيرانية سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي.نظراً لما تملكه من إمكانيات كبيرة تدعم هذا الدور، يشير الحمداني إلى أن “للحرس الثوري الغلبة والتفوق على باقي القوات الأخرى، مثل الجيش النظامي والباسيج”. حيث يطرح احتمال المواجهة المباشرة بين إسرائيل وإيران أسئلة حول قدرة إيران على مواجهة إسرائيل عسكرياً بالأساليب التقليدية للحروب بين الجيوش النظامية.
إذ ليس لدى إيران تجارب كبيرة في هذا المضمار، سوى تجربة يتيمة في الحرب مع العراق التي استمرت 8 سنوات (1980-1988)، واستنزفت الجيشين الإيراني والعراقي على السواء.
وبعد تلك الحرب، قررت إيران تعزيز حضورها العسكري الخارجي عبر تأسيس “فيلق القدس” (التابع للحرس الثوري)، وعبر تسليح وتمويل ميليشيات تابعة لها في كل من العراق وسوريا واليمن ولبنان وقطاع غزة. بالإضافة إلى نشاطات لفيلق القدس في تمويل وتدريب جماعات شيعية في الجارة أفغانستان.
ومن المهم الإشارة إلى أن الحرب الإيرانية مع العراق، خلال حكم رئيسه الراحل صدام حسين، خاضتها إيران بشكل أساسي بأسلحة أميركية كانت بحوزة الجيش الإيراني حصل عليها في زمن الشاه.
فحسب كتاب “أميركا وإيران/ تاريخ منذ عام 1720 حتى اليوم” لجون غازفينيان، “قفزت مشتريات إيران السنوية من الأسلحة من الولايات المتحدة من 113 مليون دولار إلى ما يقرب من 400 مليون دولار في عام 1971، ثم إلى 2.2 مليار دولار في عام 1973، ثم إلى 4.4 مليار دولار في عام 1974”.
وفي الفترة من عام 1972 إلى عام 1977، ”أنفقت إيران ما مجموعه 16 مليار دولار (حوالي 70 مليار دولار بأسعار اليوم) لشراء الأسلحة من الولايات المتحدة”، وتلك الأسلحة بمعظمها استولت عليها الثورة الإسلامية بعد توليها الحكم حيث استخدمتها في حربها مع صدام حسين.
وأبعد من ذلك يقول ريز إرليخ في كتابه “أجندة إيران اليوم”، إن الحكومة الدينية التي استولت على الحكم بعد الشاه كانت بحاجة ماسّة لتعزيز قدراتها العسكرية والتمسك بالسلطة.تحليل: انتكاسات إيران الأخيرة قد تدفعها باتجاه “القنبلة النووية”
يعرب مسؤولون أميركيون سابقون ومحللون عن قلقهم من أن الانتكاسات الأخيرة التي تعرضت لها إيران على يد إسرائيل، قد تدفع طهران إلى تسريع سعيها للحصول على قنبلة نووية.
فالتفوق الإيراني يبرز في الصواريخ الباليستية والصواريخ المجنّحة والمسيّرات، التي تُعتبر، حسب المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية، “ركيزة أساسية لاستراتيجية الردع الإيرانية، مما يمكنها من ضرب عمق الخصم”. وقد استثمرت إيران بكثافة في تطوير ترسانتها الصاروخية.
في السياق ذاته، كانت إسرائيل تملك معظم الأسلحة الأميركية ذاتها مثل الصواريخ وقطع التبديل للطائرات الحربية. ويُنقل عن تقرير في أرشيف الأمن القومي الأميركي بشأن فضيحة إيران-كونترا أن “إيران كانت تحتاج بشدة ما كان بإمكان إسرائيل تزويده.. وطالما أن إسرائيل كانت تملك تلك الأسلحة في مستودعاتها، فإنها في غاية السعادة لتزويد إيران بها”. لكن ما راهنت عليه إسرائيل تغير مع الوقت وباتت إيران أكثر عداءً لإسرائيل من العراق.
تفوق جوي إسرائيلي مقابل قدرات باليستية إيرانية
اليوم تتقدم إيران في الأرقام والترتيب العالمي للجيوش الأكثر تسليحاً وقوة على إسرائيل. فحسب موقع “globalfirepower”، تحتل إيران الترتيب الرابع عشر لعام 2024 بينما تأتي إسرائيل في المركز الـ17. وفق ورقة بحثية نشرها المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في مايو من هذا العام، لا يمتلك أي من الجيشين الإيراني والإسرائيلي قدرات عسكرية كافية لخوض صراع مستمر ومباشر مع الآخر.
وباستثناء القدرة النووية الإسرائيلية غير المعلنة، فإن الطرفين يفتقران إلى القدرة على سحق الآخر عسكرياً. كما ذكر المعهد أيضاً أن إسرائيل تتمتع بتفوق جوي وأسطول من الطائرات المقاتلة المتطورة مثل “إف 15″ و”إف 16″ و”إف 35”. ومع ذلك يرى أن “استهداف عمق إيران يشكل تحدياً لوجيستياً يتطلب دعماً كبيراً”.
وبالمقارنة مع إسرائيل، تفتقر إيران للإسطول الجوي الحديث ولا تمتلك سوى طائرات قديمة تعاني من نقص حاد في قطع الغيار.ها صواريخ بمدى يصل إلى 2000 كيلومتر.
وينقل المعهد تقديرات تعود إلى عام 2022، لقائد القيادة المركزية الأميركية كينيث ماكنزي، مفادها بأن إيران “تمتلك ما يصل إلى 3000 صاروخ باليستي”، فيما لا تزال النسبة المئوية للصواريخ القادرة على الوصول إلى إسرائيل غير معروفة.
وتمتلك إيران، وفق محمد رمضان أبو شعيشع في كتابه “إيران.. تركيا.. إسرائيل وصراع القوى في الشرق الأوسط”، قدرات عسكرية لا يستهان بها كقوة إقليمية في المنطقة، حيث تتكون القوات المسلحة الإيرانية من بنيتين رئيسيتين، هما الجيش النظامي والحرس الثوري.
وبلغ العدد الإجمالي للقوات المسلحة الإيرانية، وفقاً لتقديرات المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (2017)، نحو 545 ألف جندي، وقواتها الاحتياطية حوالي 350 ألف فرد، كما جاء في الكتاب.
وحسب أبو شعيشع، فإن حجم الواردات العسكرية الإيرانية ترتكز بشكل أساسي على الجانب الروسي. كما أن لدى إيران 7 مجموعات صناعية تنتج الأسلحة والمعدات والذخيرة، وتعمل على تطوير الأسلحة وصيانة المعدات للجيش الإيراني وللحرس الثوري على حد سواء.
ومع ذلك، فإن الجيش الإيراني النظامي لم يختبر في حروب مباشرة إلا مرة واحدة في حربه الطويلة مع العراق.
وإسرائيل من جانبها لها تجارب عديدة في مجال الحروب؛ فجيشها خاض حروباً في أعوام 1967 و1973 وصولاً إلى اجتياح لبنان عام 1982 ثم الحرب مع “حزب الله” في يوليو 2006 وتجارب عسكرية عديدة في قطاع غزة.
والآن يخوض الجيش الإسرائيلي بالتزامن حربين في قطاع غزة وجنوبي لبنان وهو يتمتع بخبرات كبيرة وبتمويل ضخم وبتسليح نوعي.
ماذا تخبرنا تجربة الحرب العراقية الإيرانية؟
كانت الحرب الطويلة والمكلفة مع العراق عند بداية نشوء الجمهورية الإسلامية الإيرانية العامل الرئيس الذي أدى لتعديل مقاربة إيران لمسألة الأمن القومي منذ ذلك الحين؛ وفق الباحث شاهران تشوبين في كتابه “طموحات إيران النووية”.
الإيرانيون عند إعادة النظر بتلك الحرب ازدادوا يقيناً من عداء العالم الخارجي تجاه الثورة الإسلامية؛ كما يشرح تشوبين.
ويتابع: “الحرب مع العراق كانت بمثابة إنذار وعبرة معًا. الإيرانيون الذين تفاجأوا من هجوم العراق قرروا ألا يؤخذوا على حين غرة ثانية أبداً”.
أما العبرة الأكثر أهمية التي استخلصها الإيرانيون من تلك الحرب حسب تشوبين فهي أن “الاعتماد على القوات العسكرية المحلية هو السبيل الوحيد لضمان الأمن”.”كرية التقليدية من أجل الردع، أقل فاعلية من الاعتماد على الأسلحة النووية”.
من هنا يرى تشوبين أن إيران أعادت النظر في عقيدتها العسكرية التقليدية، وركزت من جهة على أذرعها الخارجية، ومن جهة أخرى على تطوير مشروعها النووي.
ويبدو أن إسرائيل فهمت جيداً هذه العقيدة، فهي تقوم اليوم من جهة بضرب الأذرع الخارجية لإيران، خصوصاً حزب الله وحماس، ومن جهة أخرى تبدو عين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو دائماً على برنامج إيران النووي.
“صراع نووي”؟
تشير مؤشرات وتقارير إلى أن إسرائيل تمتلك السلاح النووي، لكنها لا تعترف بذلك بشكل علني أو رسمي. وحسب تشوبين، فإن هناك خصوصية لامتلاك إسرائيل سلاحاً نووياً “نظراً لوجود تهديد وجودي عليها، إضافة إلى إرث الهولوكوست”.
ومع ذلك، يرى تشوبين أن قيمة الأسلحة النووية الإسرائيلية “محدودة في التعامل مع التهديد العسكري التقليدي للدول العربية أو الانتفاضات الفلسطينية الداخلية”.
في المقابل، يصرّ المسؤولون الإيرانيون على أنهم “ليس لديهم طموحات لامتلاك أسلحة نووية”، دون أن يغفلوا كما يقول تشوبين عن التنويه إلى امتلاك إسرائيل “الخطير” للأسلحة النووية مما يعني من وجهة نظرهم أن “الاستقرار لا يمكن تحقيقه في المنطقة”.
بيان من الجيش الإسرائيلي بشأن الرد على إيران
قال الأميرال دانيال هاغاري المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي اليوم السبت إن إسرائيل سترد على الهجوم الصاروخي الإيراني الذي شنته طهران الأسبوع الماضي عندما يحين الوقت المناسب.
يواصل تشوبين بالقول إن الإيرانيين “يكثرون من ذكر أسلحة إسرائيل النووية لأنهم بذلك يحولون الانتباه عن الاتهامات المتعلقة ببرنامج إيران نفسه”. ورغم أن إيران الرسمية لا تعلن عن نيتها العمل على امتلاك سلاح نووي فإن هذا الأمر يشكل هاجساً للإسرائيليين خصوصاً لنتانياهو.
وفي كتاب بين كاسبيت عن “سنوات نتانياهو”، يتحدث الكاتب الإسرائيلي عن “هوس” رئيس الوزراء بإيران. فهو خلال سنوات تزعمه المعارضة في إسرائيل كان يضع في مكتبه لوحاً أبيض كبيرًا كتبت عليه ثلاث كلمات.في معظم الأوقات، كانت هذه الكلمات: إيران، إيران، إيران. وكان زوّار المكتب، حسب كاسبيت، “يستمعون إلى عدد لا يحصى من المحاضرات حول هذا الموضوع، مصحوبة برسومات نتانياهو وعروضه التوضيحية المعتادة على اللوح الأبيض”.
ويتساءل تشوبين في كتابه: “هل تسعى إيران لامتلاك أسلحة نووية أو خيار نووي؟”.. ويجيب: “في الحقيقة كلتا الغايتين يمكن أن تكونا منسجمتين مع أهداف وقيم ودروس النظام في إيران. إذ ليس ممكناً التمييز بينهما في بلد يؤكد على امتلاك دورة وقود كاملة وبرنامج صاروخي، ويسعى للحصول على اعتراف به في النادي النووي”.
نحن إذاً إزاء إشكالية تتعلق بالردع المتبادل والهوس المتبادل بين البلدين فيما يتعلق بالأسلحة النووية، إذ يرى نتانياهو أن على إسرائيل أن تقطع الطريق على إيران وتمنع امتلاكها سلاحاً نووياً.
ويعتقد كثير من المراقبين أن رئيس الوزراء الإسرائيلي يسعى إلى إيجاد “فرصة لضرب المشروع النووي الإيراني وإنهائه”، معربين عن خشيتهم من أن يجرّ التصعيد الحالي بين البلدين إلى مواجهة مباشرة لا يُستثنى منها الملف النووي.