ثقافة وفن

نيرون وعبد الرضا

بقلم :احمد السلمان  

العربية 24 نيوز : ماجد لفته العابد

عندما احرق نيرون روما لم يعلم انه مصاب بالجنون , معظمهم فسر ذلك بالجنون والبعض الاخر فسره بالحب والبعض قال انه نيرون العظيم الذي لايقهر كالاساطير .كان عبد الرضا يجلس في احد زويا مقهى حسن عجمي في شارع الرشيد كالعادة . طلب الشاي من ابي داوود .. المقهى عبارة عن غرفة متخمة بالدخان والاحاديث بين ضجيج وهدوء . اما اصوات المستطيلات العاجية المرقمة فهي الاكثر وضوحا في ذلك المكان , ابو داوود متجهم الوجه يجلب لك الشاي وكأنه يحضر لك اكسير الحياة .عبد الرضا ينتظر الشاي بشغف بعدما تناول فطوره الصباحي بصحن عدس وصمونه كأنها قطعة من نحاس صديء .بنطلونه الرمادي وشكله يدل على انه مسافر بعيدا وهذه المرة دون جواز ,يقول في نفسه , السجائر مغشوشة , الخمر مغشوش كل شيء مغشوش حتى الاصدقاء , غادر المقهى يلعن كل شيء ,بعد اسبوع اختفى عبد الرضا وجميع الرواد يتسألون عنه , منهم من قال ان السلطة اعتقلته لأنه كثيرا مايقرأ عن راس المال وكارل ماركس والادب الروسي لديستوفيسكي ويحمل معه كتب لحمزاتوف وفابتزاروف شاعر بلغاريا الشهيد,وهذا ما ادى الى اعتقاله ,واخرون يقولون ان لكثرة ما قرأ اصيب بالجنون فاودع بمصحة عقلية , ومنهم من قال انه انتحر . واختفى حينها ولايوجد شيء يدل على انه موجود او مفقود ,وعاد الضجيج من جديد واصوات القطع العاجية ذات الارقام تمازح طاولات الزبائن وكأنها شجرة بلوط لاتخاف الريح , وكذلك تراقصت زارات الطاولي العاجية على وجه الخشب المستطيل .وبعد سنين وفي نفس المقهى ونفس الركن كان يجلس عبد الرضا يرتدي معطفا بلون البنفسج والجميع ينظر اليه بعجب  ماذا يرتدي هذا المجنون ؟ معطفا بنفسجيا وشعر ثلجي وحذاء ابيض , الجميع يسأل من هذا الغير مألوف ,طلب الشاي وكالعادة لم يحصل عليه بسبب الضجيج بعدما علم ان ابو داوود قد مات وورثه اولاده , لم يكترث للوقائع حملته عصاه للنهوض وغادر, جالت عينيه في ارجاء شارع الرشيد جوفاء خرقة بالية تحت احضان البغايا . حزن كثيرا سنون مرت منذ غادرت الوطن والوطن كما هو , الفقر والجوع والبغايا هم نفسهم يسكنون نفس المحلات وربما اضيفت لهم محلات اخرى تحت مسميات جديدة .  عبد الرضا كأس مملوء بالخمر ما ان يصفق بجانبه حتى يندلق, شابا وسيما كثير القرأة خجولا جدا . يملك وجه طفولي اقرب للوطن منه الى الثائر ,كلما يمر قرب بيت ابو سالم يشاهد نافذة تراقبه وليس شبح ’ هو يعلم من كان يراقبه ولكنه ولاول مرة كان شيطانا غير شيطان .حاول ان يتذكر اسمها والمطر يتساقط خفيفا وهو غير مبال ,يحاول تذكر اسمها اخيرا بعدما خذلته العكازة صاح اين زهرة ؟. في شارع المتنبي الكل سخر منه ودعوه بالمجنون , عبد الرضا غادر الحياة الاولى لان زهرة قطفها الرصاص وهو ممدد في الشارع والمطر يتساقط وصوت الريح ناي يعزف الان .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى