ثقافة وفن

“كنت على وشك الرحيل” للروائي فريد مراد

سلسلة من وحي الكتاب إعداد الصديق الأيسري

متابعة العربية 24 نيوز : ماجد لفته العابد

      في غرفتي الخاصّة، بقسم نقل الأعضاء، لم أكُنْ وحيداً. ثمّة ذبابة هناك كانت تنتظرني بل هي أوّل مَن اِستقبلتني. نظرتُ إليها بقرف، وسرعان ما تحوّل قرفي إلى شفقة، عندما تكشّف لي حالها، فرحت أناجيها:

أواهٍ أيّتها الذّبابة المسكينة، أنتِ سجينة مثلي في هذا المكان القصي. لشدّةِ كرهي لكِ، وأنتِ طليقة حرّة، هكذا أُشفقُ عليكِ الآن وأنتِ سجينة بين الزّجاج والزّجاج. كم من المرّات تحايلتُ على قتلكِ، وأنتِ تقفين على أرنبة أنفي، أو على صفحة كتابي. وكم تتبّعتكِ، وودتُ سحقكِ، وأنتِ تفرّين منّي، من جدارٍ إلى جدار. هكذا كنتِ بالنّسبة لي قبل الآن، مجرّدَ عدوٍّ لدود مقرف. اليوم اِختلفت الأوضاع والمفاهيم، فكلانا غريبان عن هذا المكان، وكلانا طالبٌ للحرّيّة، أنتِ تودّين الخروج ولا تستطيعين إلَّا بإطلاق سراحكِ، وأنا أيضاً لا أستطيع الخروج إلَّا إذا أُذن لي بالخروج. نحن أسيران ننتظر مصيرنا. من يعلم قد تخرجين أنتِ، وأبقى، أم أخرج أنا وتبقين. بالله عليك يا صديقتي، أجل أقولها مرّة أخرى، يا صديقتي، فنحن منذ اليوم صديقان متلازمان، تجمعنا قضيّة واحدة، ألا وهي الحرّيّة. والآن قولي لي يا صديقة، كيف عبرتِ هذا السّجن المُحكم، ومن أغواكِ على الدُّخول؟ في البداية عندما رأيتكِ تصعدين الزّجاج وتهبطين، قلتُ بيني وبين نفسي: هذه الذّبابة ستضايقني بطنينها، وأنا أكره الذّباب وطنينه، أخذت جريدة كانت موضوعة على المنضدة واقتربتُ نحوكِ، بينما كنتِ تصعدين وتهبطين، توقَّفتُ قليلاً ورحتُ أنظرُ إليكِ جيداً، كنتِ في بعض الأحايين تصعدين بصعوبة ومشقّة للوصول إلى القمّة، ثمَّ فجأةً تسقطين، لكنّكِ كنتِ تعيدين الكرّة، وتحاولين وتحاولين، وكانت جهودكِ في كلِّ مرّة تذهبُ عبثاً. أعترفُ يا صديقتي بأنّني تألّمت من أجلكِ في تلك اللّحظة، أردت إخراجكِ، لكن ما أعاقني هو فتح النّافذة، فالنَّافذة لا تفتح، إنّها مُحكمة الانسداد. ماذا أفعل وأنا لا أملك سبيلاً لتحريرك من هذا السّجن البغيض، إنَّ تحريركِ يحتاجُ إلى مفتاح، وأنا لا أملك المفتاح، ولا يحقُّ لي كسر الزّجاج. وضعتُ الجريدة فوقَ المنضدة ثانية، وجلستُ بهدوء وببطء شديد على حافّة السَّرير، أنا أيضاً مثلكِ موجوع، ولم يمضِ إلَّا يومٌ واحدٌ على شقِّ بطني بالعرض والطُّول، إنّه الكبد يا صديقتي، هذه المرّة. قالوا: لقد اِنتقل السَّرطان إلى كبدكَ. تخيّلي يا صديقتي أنَّ هذا الضَّيف اللَّعين يتصرّف بكامل حرّيته، فينتقل بداخلي من مكانٍ إلى مكان، وكأنّ البيت بيته، هكذا كما يتنقّل الإنسان من فندق إلى آخر، حتّى يَطيب له المقام. المشكلة في هذا الضّيف أنّه لا يخرج بمحض إرادته، فإمّا أن يَقتل صاحب البيت، ويُقتل معه، وإمّا أن يُخرَج عِنوةً ويُلقى خارجاً، نعم، إنّه هكذا، لا بل أكثر. أترغبين سماع المزيد عنه؟ إذاً اِستريحي قليلاً من هذا الصُّعود والهبوط غير المُجدي، واجلسي واسمعيني، فلطالما ليس سوانا في هذا المكان، وليس بمقدورنا الخروج، إذاً دعينا نقتل الوقت، وندردش بعض الشّيء. تصوّري يا صديقتي التعيسة الحظ، عامان وأكثر، وأنا كنتُ مُستضيفه في بيتي، هذا الحيوان الخبيث، غير دارٍ بوجوده، كيف أدري وهو جالس سعيداً مطمئنّاً، يأكل ويشرب، ويتغذّى، وينمو ويتضخّم، وعندما اِكتُشِفَ أمره، كان قد مدَّ جذوره، وتمسّك بالمكان، رافضاً إخلاءَهُ، مهدِّداً بهدمه إذا لم ينتقل إلى مكانٍ آخر، وهذا ما حصل يا صديقتي، دمّر جزءاً كبيراً من “الكولون والمستقيم” بعدها اِنتقل إلى “الكبد” ليهدم أكثر من خمسةٍ وسبعين من بنائه، والمعركة لازالت مستمرّة، هل سيكتفي بهذا، أم سيواصل هدمه؟ لست أدري؟ يا له من مستعمرٍ وقحٍ وخبيث. لا بل هو واحد من أبشع أنواع الاستعمار. عليه اللّعنة.

كيف حالكِ يا صديقتي، وكأنّك لستِ على ما يرام؟! أأنهكتكِ حركة الصّعود والهبوط؟ أم أنتِ جائعة؟ أم عطشانة؟، لا أعلم كم مضى عليكِ من الوقت وأنتِ سجينة تستغيثين، ولا أعلم كم ستصمدين، ليتني اِستطعتُ إنقاذكِ، فكسبتُ أجراً بسببكِ، سأحاول.. سأحاول، ولكن لا تأخذي كلامي وعداً قاطعاً.

وفيما أنا أكلّم صديقتي الذّبابة، وأفكّر في نفس الوقت، ماذا عساني أن أفعل؟ خطرت ببالي فكرة، ودونَ أيّ تأنٍّ وتردّدٍ، رأيتني أضغط على الزّر الأحمر المخصّص للحالات الطّارئة.

– نعم ، ماذا حصل؟ قالت الممرضة الّتي هرعت إلى غرفتي، ظنّاً منها أنّه قد حدثَ طارئ ما.

– بالحقيقة، معي لم يحصل أي شيء، إنّما أريد فتح النّافذة فقط.

– ولماذا تريد فتحها؟

– لإطلاق سراح الذُّبابة.

نظرت الممرّضة إليّ بدهشة، وكأنّني سمعتها تقول بينها وبين نفسها: إنّه يَهذي، يجب أن أستدعي الطّبيب. ثمّ قالت بصوتٍ مسموع، وشبه اِبتسامة على شفتيها: أأنتَ بخير؟

– نعم أنا بخير، ولكن الذّبابة ليست بخير. انظري إليها، كيف تصعد ببطءٍ ومشقّة، تحاول الخروج، لكن عبثاً. يا لها من مسكينة! أرجوكِ كل ما أريده هو فتح النّافذة، وإطلاق سراح هذه المخلوقة الضّعيفة.

ضحكت الممرّضة وقالت: هذا مستحيل يا سيّد.

قلت: لماذا هو مستحيل، وأين الغلط في فتح نافذة؟

أجابت وقالت: الأوامر بالمستشفى تمنع فتح النّوافذ، تجنُّباً لوقوع حوادث، كالاِنتحار وما شابه ذلك.

– إذاً ستموت صديقتي موتاً محتّماً، وليس من منقذٍ لها؟

ضحكت الممرّضة مرّة أخرى وقالت: الأفضل أن تنام، أنت مُتعب، وبحاجة إلى الرَّاحة سأطفئ النُّور، تصبح على خير.

كيف أنام يا صديقتي السَّجينة؟ كيف أغمض عينيَّ وأنتِ على هذه الحال، تصعدين وتهبطين؟ ليتني علِمتُ ما يدور في ذهنكِ هذه اللّحظات، وبماذا تفكّرين؟ يقولون عنكِ مقرفة ومقزّزة، وطفيليّة، وناقلة للميكروبات. قد تكونين هكذا.. ولكن ثقي تماماً، هناك بعض البشر يزيدون عنكِ قرفاً وقزازة، وهم طفيليّون وناقلون للميكروبات أكثر منكِ بكثير، لا بل أنتِ أنقاهم قلباً، وأصفاهم نيَّةً. أليس الحقد والضَّغينة والكراهيّة والحسد وإلى ما شابه ذلك.. أشدّ الأمور قرفاً وقزازةً في الإنسان؟ أَليست النَّميمة بحدِّ ذاتها من أخطر الأمراض الخبيثة، وأسرع الوسائل لنقل الميكروبات؟ نعم يا صديقتي البائسة، هكذا حقيقة بعض البشر. على الأقل أنتِ عندما تحطّين على الفتات المتساقط هنا وهناك، تأخذين حاجتكِ وتكتفين، ثمَّ تضربين بجناحيكِ وتحلّقين. هناك بعض البشر ممّن نعطيهم ثقتنا، ونجلسهم على موائدنا، فيغمسون اللّقمة معنا، ثمَّ عندما يستحكمون، يطعنوننا في ظهورنا، أفلستم أنتم معشر الذّباب أفضل منهم بكثير؟ سأعطيكِ عيّنة صغيرة يا صديقتي عن بعض هؤلاء السَّفلة، فاللّيل طويل، وإلى انبلاج الفجر ساعات عديدة، وكلانا سجينان تائقان إلى الحرّيّة. سأخبركِ عن أحدهم أتاني زائراً في إحدى المرّات، معروف عنه من فصيلة النمَّامين والكذبة المحترفين. أكل من أكلي، وشرب من شرابي، وثرثر كثيراً، وأخبرني أنَّ فلاناً تكلّم عنّي بالسُّوء، ثمَّ خرج من منزلي ودخلَ منزلاً آخر، وجلس مع أفرادِه، وأكلَ وشربَ معهم، بعدئذٍ أخبرهم وقال: كنتُ قبل قليل عند فلان، لقد تكلّمَ عليكم بالسُّوءِ. أجل هذه عيّنة واحدة، تدعى النّميمة، وهي من جملة العشرات من العيّناتِ السَّيّئة المتواجدة في عالمنا نحن معشر البشر. فهناك على سبيل المثال لا الحصر فصائل أخرى عديدة، كالمنافقين، والمخادعين، والدَّجّالين، والمحتالين، والفاسقين، والمتعجرفين، والقوَّادين، والغدَّارين، والقذرين، والوقحين، والطّفيليين، والجسَّاسين، والمراوغين، والسّفهاء، والابتزازيين، وماسحي الجوخ، والخونة، والأوغاد، والزّناة، والأنذال.. وهلمَّ جرَّاً.. من أمثال هذه النّفايات الكريهة، الّذين يزيدون عنكم قرفاً وقزازةً، – هذا إذا كنتم كما يدّعون -. ولكن لا أنكر، ولا أخفي عنكِ يا صديقتي، ولكيلا أظلم كل بني جنسنا، فالحق يجب أن يقال. لدينا أيضاً أنواع عديدة من العيّنات الحسنة، كالمحبّين، والمخلصين، والصّادقين، والمسالمين، والطَّيّبين، والأخيار، والنّبلاء، والشُّرفاء، والأوفياء، و. وإلخ، لكن تبقى نسبتهم قليلة جدّاً، مقارنةً مع الأصناف الأخرى. وللثقافة والوعي والانتماء والمكان، دورٌ كبيرٌ في تفعيل روح الإنسانيّة عند الإنسان. في بعض المجتمعات قد يُقتل الإنسان أو يُنحر، كما تُنحر الشَّاة، وفي ظنّهم قد قدّموا كفّارة، وإرضاءً لله، بفعلهم هذا. وفي مجتمعات أخرى نرى العكس تماماً. ليس فقط بمعاملة الإنسان لأخيه الإنسان. بل أيضاً بمعاملة الإنسان للحيوان. سأحكي لكِ يا صديقتي قصّة، جرت أحداثها قبل بضعِ سنوات على مقربة من بيتنا:

تأخّر شقّ الطَّريق عبر الغابة، الَّذي سيوصل منطقة “باكلورا” Backlura بمنطقة “ڤيكخو” Viksjö الواقعتَين في إحدى ضواحي العاصمة ستوكهولم. تأخّر قرابة الثَّلاث سنوات. وسبب التَّأخير كان مجموعة من الضَّفادع الّتي اِعتادت منذ سنوات طويلة أن تتنقَّل ما بين الغابة والمستنقع المجاور لها، لاستمراريّة التّكاثر. الطَّريق الأسفلتي الّذي سيفصل بينهما، سيشكِّل خطراً على الضَّفادع الّتي ستقطع الطَّريق إلى الجهة الأخرى، هذا ما يعرِّضها للسحق تحت عجلات السيَّارات المسرعة.

أخيراً توصَّل الخبراء إلى طريقة تؤمِّن سلامة قطيع الضّفادع المسالمة المتأصِّلة في هذه البقعة من الأرض، منذ القِدم. وتمَّ فتح مجموعة أنفاق أرضيّة ما بين الغابة والمستنقع، تمرُّ هذه الأنفاق تحت الطَّريق الأسفلتي، ثم وضِعت حواجز سطحيّة مانعة ما بين الغابة والمستنقع لتدريب الضّفادع على السَّير عبر هذه الأنفاق التّحتيَّة. أخيراً دُرّبت الضّفادع، وعرِفت طريقها. بعدها نُفّذ المشروع بأمانٍ وسلام.

بالتّأكيد يا صديقتي، لا يحق لنا أن نُفاخر بالوفاء عليكم، لا بل قد يكون للوفاء عندكم ميّزة خاصة، لا نمتلكها نحن البشر، نعم.. نعم، قد تفوّقوننا بها أنتم معشر الحيوان. سأروي لكِ قصّة أخرى قصيرة عن هذا الوفاء الحيواني، وهذه قصّة جرت معي شخصيّاً.. اسمعي: كان لصديقي في العمل كلبٌ صغيرٌ، جميلٌ، أبيضُ اللَّونِ كالثّلج، وكان اسمه “زورو”. عامان مضيَا، وزورو كالطّفل المدلّل بيننا. نلاعبه، ونمازحه. وكذا كان يفعل، ويشاركنا اللّعب والمزاح. كنّا وصديقي، سائقَي شاحنة ثقيلة، وكان “زورو” يرافق صديقي دوماً، ويجلس في المقعد الأمامي، بجانب السّائق. قد لا تصدّقين يا صديقتي إذا قلت لكِ إنّه كيف كان ينبح عندما كانت تتقابل شاحنتانا، أو نسير بجوار بعضنا البعض. كان يعرفني من خلال الشّاحنة، فيرقص ببهجة وسعادة، وكأنّه يقول: لقد رأيتك، إنّك هناك.. إنّك هناك.

ترك صديقي العمل، فحزنت من أجل “زورو”، أكثر من حزني على فراق صديقي هذا. أنا متأكّد من حزن “زورو” أيضاً، بعد هذه العشرة الطَّيّبة.

ومرّت الأيّام.. عامان ونصف العام على فراق “زورو”، وصديقي توماس، وكدْت أنساهم يا صديقتي، أو أن تُنسيني متاعب السّنين إيّاهم. حتّى في إحدى المرّات وأنا أتمشّى الهوينى، والشّمس تغادر ببطءٍ شديد، واللّيل يتقدّم زاحفاً. لمحت أمامي شخصاً يسير برفقة كلب صغير، جميل، أبيض اللّون كالثَّلج، يشبه “زورو” تماماً. قلت بيني وبين نفسي، يخلق من الشّبه أربعين. ناهيك على أنّه أوّلاً وأخيراً كلب، وجميع الكلاب من هذا الجنس، تتشابه. ولكن لا أعلم كيف ولماذا فجأة رأيتني أصرخ بأعلى صوتي.. “زورو”، حتّى رأيت “زورو” يتوقّف ويلتفت إلى الوراء، اِستجابة للصوتِ. وما أن رآني حتّى أسرع إليَّ وقفز عالياً إلى صدري، وأخذ يغمر وجهي بالقُبلات. كان صديقي في تلك الأثناء يصرخ به كي يعود، لكن دون جدوى. ظلَّ “زورو” متشبّثاً بصدري، يأبى الانفصال، حتّى لحق بنا صاحبه. وقبل أن ينظر جيّداً إلى وجهي، قال: من تكون حتّى أسرع إليكَ كلبي وتعلّق بك؟ أجبته بدون تردّد وقلت: يا حيف عليك يا توماس.. لقد عرفني “زورو”، ولم تعرفني أنت؟

أأعجبتكِ القصّة يا صديقتي؟ هذا قليلٌ من الوفاء الّذي عندكم أنتم معشر الحيوان. أترغبين سماع قصّة أخرى عن عمق الإخلاص والوفاء والتّضحيّة عندكم معشر الحيوان، الشّيء الّذي بدأنا نفتقده يوماً تلوَ يوم، نحن معشر البشر؟ إذاً اِصغي إلى هذه القصّة الّتي كنتُ شاهداً عليها:

كان لجارتنا كلبٌ، يُدعى “صافران” وكان ظريفاً ومؤدّباً.

– اسكت يا “صافران” … كفاية. عيب.. دعني أتكلَّم. هكذا كنت أسمعها تقول. ولكن “صافران” لم يسكت.. وظلَّ ينبح وينبح.

كانت واقفة تتحدَّث مع جارتها عندما بدأ “صافران” ينبح ويقفز ويتعلَّق بثيابها، ثمَّ هرع إلى داخل المنزل ليعود ثانيةً ويستمرّ في نباحه. أمّا هي فكانت في كل مرّة تنتهره ليسكت. إنّه يضايقها بنباحه العالي ويشوّش عليها الحديث مع جارتها. ولم تكن جارتها سوى (زوجتي).

عندما قطع الكلب الأمل بصاحبته، وتأكَّد بأنّها لا تستجيب لمطلبه، تركها وأسرع إلى داخل المنزل وعاد من جديد، لكن هذه المرّة ليس كالمرّات الّتي سبقتها. لم يعد فارغاً. عاد وهو يحمل بين أنيابه “هيلين” الطّفلة الصّغيرة، اِبنة الشّهرين، ويضعها أمام والدتها.

كان الكلب يحاول أن يوصل رسالة إلى الأم ويقول لها: أسرعي إلى الدّاخل.. هيلين تبكي … تبكي بشدّة. لكنّ الأم كانت منهمكة في الحديث مع جارتها.

قرأتُ في إحدى المرّات قصّة ظريفة عنكم معشر الحيوان، أعجبتني كثيراً. أترغبين سماعها يا صديقتي؟ على كل حال سأرويها لكِ. اِعتبريها “فشّة خلق”. لازال اللَّيلُ طويلاً وكلانا قلقان، قد فرَّ النَّوم من أعيننا، كيف سيكون مصيرنا، لا نعلم. إذاً دعينا ندردش قدر المستطاع. علّنا نقتلُ الوقت بذلك.

القصّة يا صديقتي تقول: في مرّة من المرّات، في إحدى إسطبلات الحمير، حمارٌ صغيرٌ أضرب عن الطَّعام. بعد بضعةِ أيّام، هزُل جسده، وغارت عيناه، وتدلّت أذناه. حاولوا معه كثيراً كي يعدَل عن قرارِهِ ويأكلُ، ولكن دون فائدة. أصرَّ الحمار الصّغير على قراره. أخيراً جاء إليه والده وقال: يا ولدي.. ليتك حكيت لي ما بك، ربّما أرحتني بعض الشَّيء من عذابي ووجعي عليك. إذا لم يكن من أجلي، على الأقل من أجل أمّك هذه. ألم ترَ حزنها وكآبتها بسببك؟

نظرَ الحمار الصّغير إلى والده وقال: أنا زعلان من معشر البشر يا أبي!

– زعلان من معشر البشر ! لماذا يا بُني؟

– ألم ترَهم يا أبي كيف يشمتون فينا على الطّالع والنّازل؟

– بالحقيقة لم أفهم قصدك يا بُني. كيف يشمتون فينا.. ولماذا؟

– ألم تلحظ يا أبي كيف كلّما أخطأ أحدهم، أو اِرتكب قباحة، أو فعل رذيلة، قالوا له تشبه الحمار ! هل نحن هكذا يا أبي؟ لماذا يقولون ذلك؟ رغم خدمتنا وإخلاصنا لهم، دون شكوى وتذمّر، ودون كللٍ وملل. لماذا يا أبي.. لماذا؟

– يا بُني : قالها الأب وهو ينظر إلى ابنه برأفة وحنان، هل سمعت في يوم من الأيام، نحن معشر الحمير، عن حمارٍ قتل أخاه الحمار؟

– لا يا أبي. أجاب الحمار الابن.

-هل سمعتَ عن حمارٍ سرق بيت أخيه الحمار؟

– لا يا أبي …

– هل سمعت عن حمارٍ أشهر السّكِّين في وجه أخيه الحمار؟

– لا يا أبي …

– هل سمعت عن حمارٍ أمريكيٍّ قتل حماراً عربيّاً، لمجرّد اِختلاف جنسيّتهم؟

– لا يا أبي …

– هل سمعت عن مجموعة حميرٍ، أغارت ودمّرت منازل حمير آخرين؟

– لا يا أبي … بالحقيقة لم أسمع ، ولم أرَ !

– إذاً يا ولدي، لك أن تفتخر بنسبك وحسبك، على أنّك حمار ابن حمار. ولك أن تتعالى على معشر الإنسان وتقول: أنا من سلالة الحمير.

تنفّس الحمار الصَّغير الصُّعداء، وأدمعت عيناه فرحاً وغبطة، اِقترب من والده الحمار، وراح برأسه يمسّد أسفل بطنه.

– أرأيتِ يا صديقتي المسكينة، كيف نحن معشر البشر، نرتكب قباحتنا وعيوبنا، وننسبها إليكم، وأنتم منها براء. آهٍ منّا نحن معشر البشر! كم نحن مخادعون وماكرون. كل القبائح والفظائع هي من صُنعِ عالمنا.

هنيئاً لكم أنتم معشر الحيوان.. هنيئاً لكم أنتم معشر الذّباب، تأكلون وتشربون وتغادرون، ولا تتكلّمون بالسُّوء على أحد، رغم هذا ننعتكم بالقزازة والقرف، ويلٌ لنا نحن البشر.

قد تنظرون إلينا أنتم معشر الذّباب برهبّة واندهاش، وقد تروننا عمالقة نسحقكم تحت أقدامنا متى شئنا. قد نكون هكذا في الظّاهر، إنّما في الدَّاخل لا، لسنا هكذا، فربّما تزيدون عنّا شجاعةً وقوّةً في الكثير من الحالات، أجل.. أجل.. لا تندهشي يا صديقتي المسكينة إذا قلتُ لكِ أنّنا معشر البشر بكلِّ ما فينا من غطرسة وتكبّر وجبروت، نقف مرتعدين خائفين أمام جرثومة صغيرة لا تُرى بالعين المجرّدة، جرثومة أصغر منكِ حجماً بآلاف المرّات، نعم ترعبنا جدّاً هذه الجرثومة، أتدرين لماذا؟ لأنّها بكلِّ بساطة باستطاعتها القضاء علينا، لكِ أن تصدّقي، أو لا تصدّقي، فهذه هي حقيقتنا نحن معشر البشر. معظمنا ضعفاء، جبناء، أنانيون، ناكرو الجميل، صدورنا ممتلئة حقداً وكراهيّة. سأضرب لكِ يا صديقتي مثالاً بسيطاً على فظاعة بعض المهاجرين الهاربين من أهوال الحروب، والظّلم، والفقر، والجوع، والتّعتير.. و. و. كيف يفعلون المستحيل ليصلوا إلى هنا. وعندما يطأ أحدهم أرض السُّويد، معزّزاً، مكرّماً، له كل الحقوق والواجبات، كباقي السُّويديين الأصليِّين، الّذين تعبوا جدّاً على بلادهم، ليوصلوها إلى هذا الحد من التّقدّم الحضاري والرّقي. يأتي هذا الفار من أهوال الظّلم والجوع والتَّعتير، ليقاسمهم الكعكة بكلِّ رحابة صدرٍ منهم. يقولون له: أهلاً وسهلاً بك أيُّها الضَّيف العزيز، فقط لو سمحت اِخلع حذائك الملطَّخ بالأوحال قبل أن تدخل دارنا، لقد أتعبنا تنظيفه كثيراً. إنّما مع كل أسف، يصرّون على الدُّخول بأوساخهم. لا بل يزدادون وساخة، عمّا كانوا في بلادهم.

تصوّري يا صديقتي، هناك الكثيرون، لم يعملوا أبداً، منذ دخولهم إلى أرض السُّويد، يسكنون بيوتاً مجهَّزة من كلِّ شيء، يركبون سيَّارات فاخرة، تراهم دائماً بالطَّقم والكرافات، يمشون ويتمخترون، ويضحكون على الزّمن، وعلى الّذين يعملون. والغريب عند مجادلتهم يقولون:

لا عدالة في السُّويد.. حقوقنا مهضومة هنا. نعم.. نعم.. هكذا أغلبنا نحن معشر البشر.

أتدرين يا صديقتي. أنا مثلاً، كم كلّف علاجي لغاية هذا الوقت. أكيد مبالغ طائلة! أنا واثقٌ لو كنتُ هناك، وأقصد في بلدي، لما كانت لديَّ إمكانيّة العلاج. كنت بالتَّأكيد سأموت والحسرة تخنقني. أنا لا أتكلّم شماتةً في بلدي، أبداً. إنّما هذا هو الحال، وكلمةُ الحقِّ يجب أن تُقال بكلِّ مصداقيّة، دون تحذلق أو تملّق. على فكرة.. من فترة قصيرة، سمعت أحد هؤلاء المتحذلقين يقول: سوريّة ستعود بخير، وكلّنا سيعود إليها.

“كلام جميل !” … هذا ما قاله أحد المغتربين المنافقين يا صديقتي، في لقائه مع أحد المسؤولين. ناسياً نفسه بأنَّه ترك وطنه وهجره، منذ أكثر من خمسة وثلاثين عاماً، أيَّام الّتي كان بها وطنه، بألف خير وبركة. ألم يسأل نفسه وقتذاك: لماذا ترك الوطن؟ وكيف سيعود؟ منافق من الدّرجة الأولى. على من تضحك يا هذا؟ أنا أؤكِّد لكَ أنَّكَ لن تعود، كفاك كذباً. هكذا بعض بني البشر يا صديقتي. هؤلاء هم معروفون لدينا من فصيلة “المستهبلين” مثلهم مثل الحمار الذي أعطاه السّلطان لجحا، وكلّفه بتعليمه حتّى يصبح عالماً. فوافق جحا. بشرط عدم تحديد المدّة.

عندما سألوا جحا: كيف وافقت، وهل ستستطيع بالفعل تعليم الحمار ليصبح عالماً؟ أجاب جحا: الزّمن كفيل بحلّها إلى ذلك الحين، فإمّا أن يموتَ السّلطان أو يموت الحمار وليس على جحا سوى الانتظار.

هؤلاء يا صديقتي، مستحيل أن يتعلّموا ويصبحوا مثقّفين ومتعلّمين. هم مجرّد حمير السّلطان.

لا أعلم كيف سرقني النُّعاس وأنا أدمدم بيني وبين نفسي مع صديقتي السَّجينة. استيقظت صباحاً، كانت أشعة الشَّمس الدَّافئة تخترق زجاج النّافذة. نظرتُ نحوَ صديقتي لأصبّح عليها، لكنَّني لم أجدها، اِنتظرتُ صعودها فوقَ الزُّجاج، كعادتها البارحة، لكن دون جدوى. جلستُ في السَّرير، ثمّ مدَدْتُ رقبتي نحو النَّافذة علّني ألمحها، – وليتني ما نظرتُ – كانت صديقتي المخلوقة التّعيسة هناك جثّة هامدة، لا حراك بها. ماتت المسكينة بعد جهادٍ مرير من أجلِ الحرّيّة والانعتاق، من أجل الاستمراريّة والبقاء. ولكن عبثاً فعلت.

قلت: وداعاً يا صديقتي، ارقدي بسلام.

كنتُ أتمنّى أن تدومَ صداقتنا أكثر، كان لايزال لديَّ الكثير من الكلام، أقوله لكِ. لا أعلم كيف تغلّب عليَّ النُّعاس ليلة البارحة، وانقطعتُ عنكِ. ليتني بقيتُ صاحياً، كنتُ على الأقل سأخبركِ أكثر عن عالمنا نحن معشر البشر، وعالمكم أنتم معشر الحيوان.

أنا أعلم حق اليقين أنَّ كثيرين ممّن سيقرَؤون هذا الكلام في يومٍ ما، سينعتونني بالجنون، ربّما سيقولون، كيف يتّخذ من ذبابة حقيرة صديقةً، وبعضُهم سيقول، ما له يكلّم ذبابة، لا تفقه ما يقول. لهم أقول: قولوا ما شئتم عنّي، فهذا لا يهم، الحقَّ أقولُ لكم أنَّ هذه الذُّبابة الَّتي ترقد الآن بسلام، لهي خيرٌ مِن بعض مَنْ عرفتهم من جنس البشر، لا بل من بعض المقرّبين جدّاً إليَّ، كفى أن هذه المخلوقة المسكينة لم تغدر بي، لم تطعنِّي بظهري، لم تُظهر لي نفسها بمظهر المُحِب، وفي داخلها يَكمُنُ كلُّ الشّرِّ.

آهٍ من بني البشر عندما تُعمي المادّة بصيرتهم، عندما يتغلّب عليهم الشَّيطان، فيدفعهم لارتكاب أبشع الجرائم وأوسخها على الإطلاق، حتّى مع أقرّب المقرَّبين إليهم، إنّها لعمري أقبح القباحات، وأرذل الرّذائل، فأين تكمن الإنسانيّة في قلوب هكذا بشر؟ أليست هذه الذّبابة الّتي جاهدت من أجل حرّيّتها، حتّى رقدت بسلام، أفضل منهم بكثير؟ لكُم أن تلوموني يا إخوتي بالإنسانيّة، لأنّني أخاطب ذبابة. على فكرة، كيف نحن أخوة بالإنسانيّة، ومن أين جاء مصطلح الأُخوّة هذا، وكيف نستطيع أن نطلق على أنفسنا هذا المصطلح الكاذب، ونُغطّي فباحاتنا بهذا الثّوب المخروق؟ أليست الأُخوّة تضحية ومحبّة وتفانياً وإخلاصاً، وإلى ما هنالك من هذه الشُّروط الَّتي يجب أن تتوفّر في الأُخوّة الحقيقيّة؟ أيكفي أن يولد اِثنان من أمٍّ وأبٍ واحدين، لينطبق عليهما مصطلح الأُخوّة الحقيقي؟ كيف يكونان أخوَين، وهما بالحقيقة عدوّان، تسري الخيانة في عروقهما، ويكمن الغدر في قلبيهما؟ كيف يكونان أخوَين، عندما يشهر أحدهما السّكين في وجه أخيه؟ كيف يكونان أخوين، عندما يسرق الأخ ممتلكات أخيه؟ لا.. لا. إنّهما أخوان بالولادة فقط، وليس بالإنسانيّة.

كنتُ أتمنّى أن تدوم صداقتنا أكثر أيّتها الرّاقدة بسلام. بضع ساعات لم تكُنْ كافية لأفضي لكِ ولو بجزءٍ يسير من مكنوناتي، وما رأيته، وعايشته، طوال هذه السَّنوات السّتُّين من عمري. كان عليكِ أن تجاهدي أكثر، أن تعيشي أكثر، على الأقل بضعة أيّامٍ أخرى، حتّى يتسنَّى لي محادثتكِ أكثر، كما حدّثتُ من قبلكِ داليتي المباركة. ولو شاء الله لي البقاء أكثر، سأعمل كل جهدي، لأحكي قصّتي مع الغدر، وقصص الآلاف، لا بل الملايين الّذين غُدِرَ بهم من قبل إخوتهم في الإنسانيّة. إنّها رسالة يجب أن تصلكم أنتم معشر الذّباب والحمير والطُّيور، وكل الأنواع الأخرى غير الإنسانيّة. يجب أن تعرفوا حقيقتنا نحن معشر البشر، حيث خلقنا الله على صورته ومثاله، هكذا مكتوب، على فكرة! هذه الكلمات – خلقكم الله على صورته ومثاله- كم أوقفتني عندها، فساءَلت نفسي مراراً، وأنا أستحضر أمام مخيّلتي أحدهم، بصورته القبيحة، وأفعاله الشّنيعة، فأقول مناجياً ربّي: هل من المعقول أن يكون هذا القبيح الشّنيع على صورتك يارب؟ حاشاك يا رب! إذاً ماذا كنت تعني بخلقِنا على صورتك؟ أيّة صورة كنت تعني، الجسديّة، أم الرُّوحيّة، أم الهيوليّة؟ أنا بحسب قناعتي وإيماني، ولا صورة من هذه الثّلاثة! أنا أعتقد يا رب كنت تعني صورة الطّفولة. أجل يا رب الطّفولة. كل الأطفال يولدون أنقياء، أبرياء، طاهرين، حتّى لو كانت ولادتهم ضمن عائلة رذيلة فاجرة. المهم هذا الطّفل يأتي نزيهَ القلبِ، صافياً كالماءِ الزّلال. ثمّ عندما يبدأ في النّمو، تبدأ هذه الصُّورة بالتَّشوّه، صورة العفّة والطّهارة والقداسة، الشَّبيهة بصورتك يا رب.

نعم كنت سأحكي لكِ أموراً كثيرة أخرى يا صديقتي، لو بقيتِ فترةً أطول. كنت سأخبركِ كيف خلقنا الله، نحن البشر، وخلقكم أنتم أدنى منَّا مستوى، وسلّطنا عليكم، فغرّنا هذا، فتكبّرنا وانتفخنا وامتلأنا قسوةً وقباحةً، ونسينا أنفسنا من نكون ولماذا خلقنا الله على صورته ومثاله. لقد أشبعناكم ظلماً يا معشر الحيوانات غير النَّاطقة، وتفنَّنا في تعذيبكم بكلِّ وحشية، ودون رحمة، حتّى اِبتعدنا عن إنسانيّتنا، وسبب وجودنا، فرحنا نعذّب بعضنا بعضاً، بأكثر وحشيّة وقسوة وغلاظة عمَّا كنّا نفعله بكم. نعم يجب أن تتعرَّفوا على حقيقتنا الإنسانيّة، أنتم معشر غير الإنسانيين. لقد أخبرتُ داليتي المباركة، كما ذكرتُ قبل قليل، بعض الشَّيء عن فباحاتنا ووحشيتنا، وأخبرتكِ أيضاً بعض الشَّيء يا صديقتي المسكينة، عن حماقاتنا وفظائعنا، قبل رحيلك عن هذا العالم الفاني، وسأخبر كل من ألتقيه من جنسكم، وأقصد جنس الحيوان والنّبات، إذا أمدَّ الله بعمري أكثر. إنّما لستُ أدري لماذا ينتابني هذا الشّعور، فأحسُّ وكأنَّني مثلكِ، على وشك الرّحيل.

——

السيرة:

فريد مراد، من مواليد المالكيّة/ ديريك 1957 م، التّابعة لمحافظة الحسكة، والواقعة في أقصى الشمال الشرقي من سوريّا. مغترب سوري حطَّ به الرّحال منذ عقود من الزّمن في مملكة السُّويد ويقيم في ستوكهولم هاجر إليها منذ عام 1979، وهو شغوف في قراءة الأدب بأجناسه المتعدِّدة. يقرأ القصص والرّوايات والشِّعر وله اهتمام في قراءة الملاحم الشِّعريّة والرِّوائيّة، وله باع طيّب في كتابة الشّعر باللّهجة المحكيّة بسلاسة وفكاهة وبإيقاع رصين، ولديه مَلكة الارتجال الشّفوي في تقديم كلمات التأبين، يقفُ رابطَ الجأشِ أمام الضَّريح ويناجي روحَه والحضور، مستعرضاً مناقب الرّاحل إلى مثواه الأخير

“عندما كنت أرآها مقبلة”2018

“الدُّنيا كما كنَّا نراها” 2019

“كنتُ على وشك الرَّحيل”2021

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى