ثقافة وفن

في مديح / شيطنة الممثّلين


بقلم : حاتم التليلي محمودي

متابعة /العربية 24 نيوز/ماجد لفته العابد

لأنّنا اخترنا التمثيل دون سواه مهنة، كنّا نعتقد على لسان جيل دولوز أنّ “الشخصية التراجيدية الوحيدة هي ديونيسيوس”، ولم نؤمن بغير المسرح ديناً وثنيّاً نحن قربانه، وانتصرنا إلى الأركاح دون سواها كي نلعب مثل بهلوان يُصَيِّرُ آلام المجتمعات معنًى أنطولوجياً يصلح للسكن في العالم. يبدو أنّ اختيارنا ذلك لم يكن مصيباً، فنتيجة لحيف المنتجين والمخرجين والكتاب والسينوغرافيين لم نستطع الوصول إلى الحكمة التراجيدية. ثمّ إنّ المسرح عينه أصبح مجرّد إرث لاهوتيّ في أقلام النقّاد والباحثين والمنظرين، أو هو مجرّد سردية حزينة عالقة بذاكرة من توغّلوا عميقاً في التجربة الجمالية. ومهنتنا تلك، لم يعد بوسعها اطلاقاً الافصاح عن كينونتنا الحقيقية من داخل المسرح، فهي ضرب من السكن القديم في أحراش زائدة عن حاجة الفنّ.
ليس من مهامنا الآن الدفاع عن الشأن المسرحي، فنحن لم نربح من هذا الفنّ سوى جلدنا الذي تركناه في الكواليس، ولم يعد ثمّة جمهور يعترضنا في الشارع منبهرًا بتلك الأدوار التي قدّمناها له في صالونات العرض، ولم يعد بوسعنا أن ننتظر صدقة من فضلات صناديق الدّعم. ليس من شأننا –أيضا-، الإدلاء بتفسير حول هذا السقوط المدوّي الذي لحق هذا الفنّ، أو حول هجرتنا إلى فنون أخرى كالسينما أو حتّى ركضنا وراء المسلسلات والدراما التلفزيونية، فهذا من شأن النقّاد وحدهم، أولئك “الخصيان” الذين لا حياة لهم إلا بوجودنا. ثمّ إنّنا لا نتحمّل مسؤولية فشلنا في أن نصبح ديونيسيوس عينه، فهذا مردّه عقم سياسات التعليم والتكوين في المعاهد المختصة في الفنون، ومردّه أشداق الحاجة الاجتماعية التي تدفع بنا للتمثيل في أكثر من عمل مسرحي في الوقت نفسه، ثمّ إنّنا سئمنا كثيرا تلك القيمة التي وضعنا فيها المنتجون والمخرجون: كوننا مجرّد بضاعة صالحة تتلاءم ودور الشخصية المقرّر تقمصها.
دعونا يا سادة، فنحن لم نقرأ مثلكم عن توحّش السّوق وكيف تمّت سلعنة الفنّ ونهاية هالته، فبسببكم جميعاً لم نعد ممثّلين، لقد أصبحنا أثراً فنّياً في حدّ ذاته، أمّا صورنا على الأركاح والمسارح فهي مجرّد أجساد تحنّ إلى أطيافها القديمة لا غير. ندرك جيّدا أنّ هجرتنا إلى الدراما التلفزيونية أثارت غضبكم واشمئزازكم من وجودنا: نعم، ها نحن ندفع بالخراب إلى أقصاه، ونمارس مهنة التمثيل بشكل وضيع وبالغ الصفاقة، ونساهم بشكل أو بآخر في مولد أعمال فنّية ركيكة ومنحطّة ومفسدة للذّوق العام ولا أخلاقيّة ولا قضيّة تطرحها غير الانتساب إلى ثقافة العهر والانحطاط المجتمعي. في المقابل، نحن الآن نتحوّل إلى نجوم ومشاهير، ونشعر بغبطة حيوانيّة كلّما ازداد غضبكم بازدياد رصيدنا البنكي.
دعونا يا سادة، فأنتم أكثر نفاقاً منّا، فبالأمس القريب لم تكتبوا عنّا ولو حرفاً واحداً في مقالاتكم النقدية، ولم تتحدثوا في جرائدكم ونصوصكم عن عذاباتنا ونحن نتمسّك بقوّة رضيع خائف بهذا الفنّ النبيل الذي أحببناه، وحين هجرنا المسرح أطلقتكم رصاصكم علينا: أنتم تزدادون وحشيّة ضدّنا، سواء بصمتكم أو بكلامكم، ثمّ إنّ خيانتنا لهذا الفنّ هي التي دفعتكم للخروج من جحوركم النقدية النتنة والكريهة كي تكتبوا. طبعاً، فبفضلنا وحدنا كان وجودكم: ألا يكفيكم هذا؟
أيّها النقّاد والباحثون والمنتجون والمخرجون والكتّاب المسرحيون وسَادَةُ المهرجانات وحيتان الإدارات الثقافية: نحن لا نؤمن مثلكم بنهاية المسرح، ولكننا نؤمن بنهاية تاريخه، ونحن لم نخن هذا الفنّ ولم نبدّله بل طردتنا أركاحه حين حُرِمْنَا من قبلكم في أن نكون قربانها، ونحن لم نهاجر إلى أفضية أخرى إلا بوصفنا نبحث عن قليل من الأكسجين كي نحافظ على وجودنا البيولوجي أمام هول الأكسيد الذي اختنقنا به ونحن نحمل – مجانا-، على ظهورنا تلك الشخصيات المسرحية من عرض إلى آخر، ونحن لم نصدّق الابتذال الدرامي في شاشة التلفزيون إلا بعد أن رأينا أولئك الأستاذة والجامعيين الذين درّسونا المسرح في أوّل الطوابير الواقفة أمام مخرجي المسلسلات، ونحن لن نرتبط نهائياً بهذه الدراما المشوّهة فوجودها موسميّ لا أكثر: قريبا نعود مجدّدا إلى المسرح مثل كلاب البرّية ولن نعثر على أفق جماليّ يجعلنا نشعر بالندم على ما اقترفناه.
أيّتها السيّدات، أيّها السّادة: الجمهور المسرحي العظيم، وأنت تأتي إلينا بغرض متابعة عروضنا القادمة، منتظراً أن تحقّق أكثر من هدف كالمتعة والتلسية والترفيه والتعليم أو ربّما ننجح في إثارة مشاعر الخوف والشفقة كإحدى دوافع التطهير التي تنشدها، وربّما – أيضا- نستطيع أن نجعلك في آخر العرض انساناً ثائراً وساخطاً ضدّ الحالة الاجتماعية الظالمة، عليك أن تعلم أنّنا نحن أيضا في حاجة إلى ذلك، لكن من سيكون الممثّل الذي سيعلّمنا نحن جمهوره؟ على ما يبدو، إنّنا في حاجة إلى تمثيل أسمى من وجودنا، هكذا يجب أن تعرف علينا نحن الممثلون الذين تراقبهم. على هذا النّحو، يجب أن تشطب من اعتبارك كوننا فعلا آلهة تمارس فعل السلطة عليك، ومن حقّك هجرة المسرح، ليس لأنّه فنّ انتهى أو قد ينتهي، بل لأنّنا صرنا جديرين بالشفقة: يمكنك اعلان حفلة من الرّثاء وأنت تتلذّذ مثل غيرك بشكل وجودنا المقيت والمقرف.
أيّها المسرح الذي ولد قبل نشأته من رحم الأرض ونواح الفلاح الحزين، نحن لن نكون أبدا مثل ديونسيوس، إنّنا جزءا لا يتجزّأ من تلك الوحوش التي عضّت نبالتك، فلا أولئك الباحثون الذين انتحلوا أطروحات الدكتوراه، ولا أولئك المنتجون الواقفون في بورصات الفن، ولا أولئك التجّار ولا سياسات الدول، ولا أولئك النقّاد، ولا نحن وجمهورنا نلتفت إليك. أنت وحدك الآن صفير يفجّر دماء الذين توغّلوا في الصدق من أجلك.
أيّها المسرح الذي أسرنا بدهشته وسحره: أنت لم تعد في حاجة إلى هؤلاء الذين يسكنون كرومك، أنت في حاجة إلى أنبياء تتحقّق معهم رَوْحَنَةُ عالمك من جديد !

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى