ثقافة وفن

في تكالب الآراء حول الدراما : نحو تأبين جماليّ للنّقد

في تكالب الآراء حول الدراما : نحو تأبين جماليّ للنّقد

تونس : بقلم الناقد حاتم التليلي محمود

ثمّة ثرثرة مضحكة وتافهة ومنحطة وبالغة السذاجة، تلك التي تدعو إلى تكميم أفواه عموم الجمهور ومنعه من تقييم الأعمال الدرامية ونقدها. إنّها تدّعي أنّ هذا الأمر يعود إلى النقّاد والمختصّين وحدهم، أمّا ما يجري الآن فمحض هستيريا من الآراء التي عجّت بها المحيطات الأقيانوسية في شبكات التواصل الاجتماعي من قبل المشاهدين والمتلقين. طبعا، ليس من شأننا الآن خوض معركة فكرية أو جماليّة تكنس مواقف العابرين غير المختصين، لأنّه يستحيل اليوم النجاح في ذلك، كما أصبح مستحيلا توجيه مستهلكي تلك الأعمال إلى عمل بعينه. إنّ ما يثير الانتباه هنا هو ذلك الادعاء الذي يبحث عن سلطة النقّاد مجدّدا، وهو ادّعاء ساذج باطلاق، فالمرحلة السلطوية غير الديمقراطية التي ينتمي إليها هؤلاء النقّاد انتهت، أمّا دورهم اليوم فشبيه بإقامة باردة في جوف القبور، وما يجري الآن من لغط فعلامة مضيئة ومروّعة على تأبينهم، أمّا تلك الآراء التي يطلقها الجمهور الواسع فغير محتاجة “إلى الانحناء لمن يدعى خبيرا”.
إنّ هذا العواء الجماهيري – الذي يسعى بشكل هستيري إلى تقييم تلك “الخردة الفنّية” المسمّاة دراما تلفزيونية-، لهو أشبه بحفلة رقص بدائيّ على قبور النقّاد المختصين وتوقيع نهايتهم على نحو فظيع وبشع. لقد شاءت “قوى الدمقرطة” توجيه حرابها إلى صدور النقّاد أيضا، ويذكر (رونان ماكدونالد) في كتابه (موت الناقد) أنّ هذا الأمر شهد تسريده منذ حركة 1968 وأحداث انهيار السرديات الكبرى برمّتها (ص20).
سوف نتّفق الآن أنّ كلّ شخص تحوّل إلى ناقد، يستهلك ما يريده من المنتوج الثقافيّ ويقيّمه في الآن نفسه، أو يرفضه لأسباب ذوقيّة خاصّة به. وهنا سوف يُعْتَرَضُ علينا بالقول: كيف يمكن منحه صفة النّاقد؟ ربّ مكر في هذا السؤال سيجعلنا نتخطّاه بسؤال مضادّ: ومن نحن حتّى نهب صفة النّاقد أو ننكرها على الأشخاص؟ أيّها السادة، نحن ليس من حقنا لعب دور الكهّان ! إنّ السؤال المطروح ما كان يجدر بكم طرحه أساسا، فبموت النقّاد أو تراجع دورهم سيحقّ لكلّ فرد تنصيب نفسه كناقد، ولكنّه ناقد استهلاكي على نحو مريع، وغير مختصّ، ولا يأبه لأسلافه القدامى من النقّاد الذين يقرّرون بدلا عنه الخبرة الجمالية وربما يوجّهه بعضهم إلى عمل دون سواه.
نحن لا نصدّق موت النقّاد: هكذا تأتي صرخة البعض من المحتجّين على الأعمال الدرامية وهي محض غثيان جمالي، وعلى آراء الجمهور العريض وهي محض هستيريا استهلاكية !
بلى، لقد مات النقّاد بتقلّص النقد الأكاديمي وانهيار “المؤسسات ذات الطابع التراتبي الهرمي” (موت الناقد ص 22)، ولقد مات النقّاد بانفجار المحيط الأقيانوسي فأصبح مثابة السوق التي تعجّ بآراء الجمهور والاعلاميين والكتاب غير المختصين، وبمثل ذلك سقط موقعهم وسط ذلك الغبار النقدي والضجيج الكلاميّ، ولقد مات النقّاد لأنّهم اليوم وأمام توحّش السوق أصبحوا مجرّد “متطفّل يعتاش على حساب الفنان المبدع” (موت الناقد ص 26)، ولقد مات النقاد لأنّهم لن يقدّموا خدمات ربحية للمنتوج الثقافي أو الدرامي وبدلا منهم حلّ الاعلاميون على نحو متكالب في طقوس الدعاية والخضوع لمتطلبات السوق؛ إن مشهد موتهم الآن لهو مشهد مُذلّ وبالغ الضراوة في الانتقام من سلطتهم القديمة!
هل يحتاج المشهد الدرامي الآن إلى نقّاد كأولئك الذين كنّا نتحدّث عن موتهم؟ طبعا لا، وربما نرجّح الأمر إلى سببين: الأول هو أن تلك الأعمال الدرامية لا ترتقي حتّى مرتبة النّقد، إنّها مجرّد بضاعة يتمّ سلعنتها ثقافيّا في سياق هذا الفراغ الجمالي المرعب، وحتّى وإن ظهرت الجدّية على بعضها فهي لن تترك أثرا جماليا على الاطلاق، لأن مستهلكها سينساها بمجرّد نهايتها، إنّها وجبات سريعة وربّما لذيذة الطعم في ظلّ هذا النسق السريع من توحّش السوق. أما الثاني فهو مرتبط تمام الارتباط بمنتجي تلك الأعمال، إذ يرون في النقاد مجرد “خصيان وسط الحريم، إنهم يعرفون كيف تجري العملية وهم يشهدون ممارستها كل يوم، لكنهم لا يستطيعون أن يفعلوها بأنفسهم” (موت الناقد ص 27)، ولذلك هم في حاجة إلى عملاء من اعلاميين ومدونين يجعلون من أعمالهم توصف بالظاهرة.
على هذا النّحو من الفظاعات المقرفة، سنرى أنّ ما يجري الآن لا يمتّ بصلة إلى اجتراح أفق معرفي/نقدي، بقدر ما هو ضرب من الدعاية القائمة على التنافس والاستثمار في الآن نفسه، إذ تجري بطريقة لا مرئية عملية تحطيم بعض الأعمال على أن ترجّح الكفة إلى قرينتها الأخرى، وهذا نتيجة طبيعية لمنطق السوق أين تدور رحى المال والإعلام، وأين يجد الملتقي نفسه مجبرا على اختيار هذا أو ذاك دون أدنى قدرة على نفي الكلّ بوصفه ذلك الكائن الاستهلاكي الذي يرى في العمل الفني مجرّد وجبة تحقق لذة مّا، أو يرى في بعض المشاهير نوعا من الانعكاس الذاتي له ولنقصانه. على النحو نفسه، يتورط الفنانون في ذلك، وهذا سلوك منبته الرعب والخوف، ومحركه الرغبة في التموقع مع هذا المخرج أو ذلك أو ذلك المنتج وغيره.
إن ما يجري الآن، لهو ضرب من شموخ السوق وهيجانه إلى أقصى حدّ، فيتحول كل شيء إلى بضاعة مسلعنة، لا قيمة لها غير تشغيل القيمة في ما يمكن أن يسمى بالخردة الفنية؛ أين يستحضر كل شيء مهما كانت فرادته بغاية تدميره والإلقاء به في بورصات الثقافة لهذا العصر الذي “يعصر فيه الإنسان عصرا إلى أن يخرج من بطنه الدقيق”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى