ثقافة وفن

غنج متأخر

بقلم :احمد السلمان

العربية 24 نيوز: ماجد لفته العابد

بدأت تجاعيد وجهها واضحة جدا حتى ان خطوات مشيتها اصبحت ثقيلة , بين الحين والحين تهرب للمرأة تشاهد وجهها , فيعتريها الخجل بعدما خط اللون الابيض اغلب شعرها وزحفت التجاعيد الى رقبتها واردتت قميص النوم التي طالما كانت تحلم به مع عطر فرنسي , وهربت الى النافذة وترقب الطريق , بانتظار الرجل القصير ذو الشعر الثلجي في الصباح , وهي تشاهد السماء تعود بها الذاكرة الى ايام الصبا وشرائط الشعر الحمراء وحقيبتها ودراجتها الهوائية , رائحة اليكالبتوس تغطي وجه المنطقة , تذكرت اغاني الطفولة ( ماجينة ياماجينة  ) واغاني الشباب (عيني عيني )’ ليلى بلغت الخمسين من العمر وهي ارملة لرجل متزمت يدعى فياض عندما فرض عليها ان تلبس الحجاب وتقلع عن لباس الحداثة ( التنورة والقميص ) او مايسمى حينها ( الميني جوب ) اي التنورة القصيرة , بعدها غادرت معه الى اطراف محافظة قريبة من الحدود , لاراديو ولا تلفاز ولا رائحة اليكالبتوس التي كانت تشمها ليل صباح في طفولتها وصباها , الوضع مختلف هناك والحياة رتيبة و, الصباح فطور والظهيرة غداء والليل عشاء ثم النوم على سرير ناعم مليء بالهموم , في كل مرة يحاولون ان يعلموها  ان تخبز في تنور الطين او الزرع او الصيد ولكنهم عبثا حاولوا لانها لاتعرف ان تذبح دجاجة او تزرع سنبلة او تصنع خبزا , لانها تستمتع باصوات البلابل وبعطر الكاردينيا ورائحة الاسفلت في الشوارع , كثيرا ما حاولت ان تقنع زوجها بان يجلب لها جهاز راديو من المدينة ولكن دون جدوى , كانت تحمل كل ربيع ان تسمع فريد الاطرش وبعوده اغنية (  الربيع ) . مرت السنون ومات فياض بعدما اشترك في صفقة للمواشي خسر جميع امواله واصيب بنوبة قلبية . وعادت ليلى الى بيت ابيها الفخم جدا وكانه احد فصور هارون الرشيد المساحة كبيرة جدا والغرف لاتعد ولاتحصى والحدائق تحيطه , علمت انه باعها لاجل ذلك , استقبلها بحفاوة وضمها الى صدره بعد فراق دام اكثر من عشرون عاما , علمت ليلى انها كذبة كبيرة ولكنها فرحة بان فياض او الرب قد اعتقها من فياض, بعدها تجولت في المنزل فلم تجد تجد دراجتها الهوائية بل وجدت سيارة حديثة , ولم تجد شرائها الحمر بل لوحات لنساء عاريات , كل شيء تغير حتى الاشجار والزهور , اصبحت حياتها اكثر رتابة لاشيء جديد , بعد عدة اشهر اصيب والدها بالسرطان ولم تودعه المستشفى وتمت معالجته في البيت الى ان لفظ انفاسه الاخيرة امام ليلى يطلب منها الصفح عما فعله, ليلى ادارت وجهها عنه ولم ترد . ليلى الى الان ترقب من النافذة القادم التي طالما انتظرته في صغرها وهو يمشي في الشارع ثملا يغني:

(ميحانه ميحانه

 ميحانه ميحانه

غابت شمسنه

الحلو ما جانه)

الوقت شارف على الغروب وهي ترقب الطريق وبعد ملل سمعت صوتا اجش كأنه وجه بركان :

(انا من اكولن اه

 واتذكر ايامي ايامي

روحي ترف واتغيب

واغرق باحلامي)

شاهدته من بعيد حينها ذابت رائحة اليكالبتوس وتجعد وجه الكاردينيا واخرست البلابل بعدما تحطمت اخر احلامها . هرولت الى الحمام وامام المراة شاهدت وجهها ولم تتعجب حطمت المرأة وخلعت قميص نومها وغادرت المنزل .

العراق واحد موحد من زاخو الى الفاو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى