مقالات

عن السليمانية


العربية٢٤نيوز/سلام سوزه
“كيس الطحين في زمن عادل عبدالمهدي ب ٢٠ الف دينار والناس خرجت للتظاهر ضده. هذا الكيس الان ب ٤٥ الف دينار، لماذا لا تخرج الناس ضد السلطة الحالية”!
بهذا التساؤل التافه يسوق بعض السطحيين حججهم من ان تظاهرات تشرين كانت مؤامرة دولية للاطاحة بحكومة عبدالمهدي التي كانت ستضع العراق على سكة الدول المتقدمة من خلال الاتفاقية الصينية التي كانت ستبني كل شيء في الدولة، بدءاً من المراحيض العمومية وحتى المفاعل النووي، مروراً بناطحات السحاب طبعاً. يتحدثون وكأن الذي خرج الى الشارع في تلك الفترة، خرج من أجل كيس طحين!!!
انت تتحدث عن الديناميات الاجتماعية وتراكم الغضب الشعبي الذي يخرج الى العلن عندما يصادف ظروفاً وسياقات معينة يجتمع فيها الحنق على الحكومة مع الفقر والفساد والظلم لينشئ لحظة “ثورية” عدمية خالصة لا تتكرر بسهولة، وهو يتحدث لك عن “كيس الطحين”!
هذه الحجج ذاتها يسوقها الآن المسؤول الكردي وهو يخاطب تظاهرات الشباب في السليمانية، غير أنه لا يتحدث عن كيس الطحين طبعاً، بل عن الشوارع الجميلة والمباني الحلوة والامن والامان الذي يعم مدن كردستان من سنين. يذكّر الشباب المتظاهر بالاستقرار وبالمدن النظيفة والفنادق الشاهقة والاشارات المرورية الانيقة! يريد رشوتهم وشراء سكوتهم بشارع نظيف ومستشفى حديثة، فينسى ان كل هذه الاشياء لا تساوي ربع كرامة المواطن الكردي الذي اهدرته حكومات العوائل الكردستانية بفسادها وظلمها وعدم مساواتها بين الفئات الاجتماعية.
ثمة وظيفة واحدة في كردستان، يتقاتل عليها اكثر من ثلاثة ملايين شاب كردي، متعلم وغير متعلم، ألا وهي الانضمام الى بيشمرگة حرس الاقليم. لدي من الاقرباء هناك من يتوسل الخروج الى الغرب بشتى الطرق، وعندما تسأل عن السبب يقول لك “لا اجد تعييناً حكومياً في الحرس وقوى الامن الأخرى”!
ماذا عن وظائف القطاع الخاص؟
لا قطاع خاص في متناول اليد. ليس للكردي سوى الجبل. لا عمل سوى في بعض المزارع او جمع قناني المشروبات الفارغة وبيعها على بعض المحال او التسوّل على ابواب بيوت الناس للتجارة بالأشياء العتيقة. لا رواتب ولا اعانات اجتماعية للفقراء من سنين. وأخيراً، انقطعت المرتبات الرمزية البسيطة لطلبة الجامعات فكانت القشة التي كسرت ظهر الجبل في السليمانية دون أربيل.
في اربيل محمية برزانية صلبة، ترسخت فيها قوة الديمقراطي الكردستاني عبر الزبائنية والولاء العشائري، وعبر الرموز السياسية الديناصورية، كمسعود برزاني، الذي مازال يشكّل عنصر قوة الحزب والمانع الأكبر من تفككه وانشقاق الابناء والأشقاء والعمومة الى حيث الاحزاب ومراكز النفوذ الصغيرة من هنا وهناك، في حين انتهى حزب الاتحاد الوطني الكردستاني بعد وفاة طالباني، وانقسم الحزب عملياً الى مجموعة وصلات عائلية وقبلية يضمها اسم “الاتحاد” شكلاً فقط. ضعف نفوذ الحزب وخرّت قواه وقبضته، ولم يعد من السهل عليه السيطرة والتحكم بجيل الشباب الجديد. ففي الوقت الذي يجدد فيه الديمقراطي الكردستاني صفوفه بعدد كبير من المواطنين الكرد ويجنّد رقماً مهماً من الشباب الى كوادره كل يوم تقريباً وعبر سياسات الرشى والزبائنية والتعيينات الرسمية، يفقد فيها الاتحاد الوطني ناسه واتباعه، بل وقياداته واحداً تلو آخر، فينتهي الامر به الى عراك حاد على “الدخل” بين هيرو خان وابنائها المدللين وبين جناح الجبل لاهور شيخ جنگي ومريديه.
هوة اجتماعية كبيرة وفقر مدقع وانعدام فرص التعيين وانحسار الوظائف العامة والخاصة واقتصارها على طبقة المتنفذين فقط. ناهيك عن أنه ليس ثمة صحفي كردي يكتب رأياً ناقداً لسلطات الاقليم او يمس بكلمة واحدة احد “ابقاره المقدسة” إلّا وأُعتقِل وأُهين وسُجِن. كل ذلك والمسؤول الكردي “الأبيض” يواجه بالقمع والعنف المتظاهر الكردي “الملون” وهو يقول بلغة حمار لم يُروَّض بعد: لماذا يخرج هؤلاء الشباب على “دولتهم”! ينهيها بتلك العبارة التافهة: مؤامرة على أمن واستقرار كردستان!
كل شيء في هذا البلد، من شماله الى جنوبه، مؤامرة، والشاهد هو “كيس الطحين” في بغداد و”الشوارع النظيفة” في كردستان!
المقال يعبر عن رأي الكاتب

https://www.facebook.com/100591112179826/posts/228563659382570/

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى