ثقافة وفن

حول بحث بعنوان الأشكال ما قبل المسرحية ومرجعياتها الأ نثروبولوجية

د.سرمد السرمدي

متابعة العربية 24 نيوز

       لا تعريف اجرائي ولا تحديد للمصطلحات ولا الدراسات السابقة ولا منهج البحث ولا مجتمع البحث وبدون تحليل لنص مسرحي او عرض مسرحي ولا يوجد حتى اي دور لفن المسرح تم التحليل استنادا له على المستوى الفني, فكانت العينتان تنتميان لطقس ديني يعرف بالتعزية, ودون وجود استنتاجات بل فقط النتائج, وهي بدورها ايضا لم تحدد علاقة ما فيما بين طقس التعزية وفن المسرح, وهكذا يبدأ هذا البحث بالضبط الى ماانتهى اليه, في ان التعزية طقس مرجعياته دينية, وهو بهذا لا يبرر اعتباره شكلا ماقبل مسرحي دون تأسيس علاقة حتى لو كانت شبه مباشرة مابينه وبين تطور الفن المسرحي الذي يؤكد البحث على انه غربي بحت.

       ما يسمى بمقدمة تفتح الأبواب بالقول ان النمط المسرحي الغربي قد ساد على مدى القرون الماضية, وتؤكد المقدمة انه نمط موروث من بلاد الاغريق القديمة, وبالطبع كونها مقدمة يحتمل ان يكون القصد منها لا على المستوى المنهجي بوصفها شبه بديل غير واضح المعالم لمشكلة البحث, انما على مستوى كون هذه المقدمة تعلل العنوان على اقل تقدير, لكن ما حدث هو ايجاد مبرر لهذا البحث من خلال فتح مجال البحث على ما قبل المسرح, وبالتأكيد على ان المسرح اغريقي النشأة غربي الانتشار, ومن ناحية اخرى بوصفه موروث, وهنا لابد من الاشارة الى ان العنوان لا يتناول المسرح تحديدا, انما شكل ما قبل المسرح, ولابد من توضح كون الشطر الاول من العنوان يؤكد وجود هذا الشكل معززا بالشطر الثاني الذي يبدوا انه هو مدار البحث أي المرجعيات لهذا الشكل ما قبل المسرحي, بالتالي أي محاولة لاثبات وجود الشكل ما قبل المسرح هي ليست ذات قيمة في الوقت الذي اصبح له مفهوم مستقل, وعلى الرغم من ان المقدمة تذهب لتأكيد استقلال هذا المفهوم عن مرجعياته, فقد اتخذت الانثروبولوجيا استقلالها هي الاخرى بوصفها مفهوم معرف, لا يمكن للبحث ان يأتي بتحديد المصطلحات بما يخالف ما ادى الى اعتبارها لوجيك محدد علميا, وهنا اسست المقدمة دون شك لكون المسرح غربي اغريقي الاصل, بما يجعل البحث الانثروبولوجي عن الشكل ماقبل المسرحي يتجه لتحديد المرجعيات خارج مساحة الاغريق والغرب سواء اكانت على مستوى حدود البحث الزمانية والمكانية والاهم فوق كل ذلك الحدود الموضوعية.

       من خلال القول بأن الكنيسة قد تبنت ثم حرمت الفن المسرحي لخطورته, على الرغم من ان العنوان تضمن التعزية انموذجا, يمكن ملاحظة الاتجاه الذي تبنته مقدمة البحث, ففي الوقت الذي يتبنى الموقف كون المسرح غربي, يبتعد برأي الكنيسة عن الغرب, وهنا اصبح للبحث فرضية اخرى مضافة الى ما قدمه على مستوى التحريم, فالعنوان تضمن التعزية كشكل, والمقدمة لم تذكر موقف الدين الاسلامي من المسرح كما ذكر موقف الكنيسة معبرا عن رأي الديانة المسيحية, بل ان المقدمة تذكر عودة لتبني الكنيسة فن المسرح عند الحاجة للتعبير عن الافكار الجديدة, ولم يوضح ما الجديد, ثم يذكر البحث في مقدمته خروج المسرح الى الشارع اخيرا فيما يبدوا وكأن المقدمة تؤشر نشأة للمسرح انطلاقا من الكنيسة على غرار نشأته الاغريقية المذكورة, وعلى الرغم من البداية المبهمة التي اختصت بعلاقة الكنيسة بالفن المسرحي, والتي قدم لها هذا البحث فهو ينتهي بذات المقدمة الى ان التمثيل ظاهرة انثروبولوجية يمارسها الانسان البدائي, وان ارتو ومايرخولد وكروتوفسكي وغيرهم عادوا الى الاصول في تبنيهم اشكال التعبير البدائية الاولى, وليس لهذه المقدمة ان تتفرع لهذه الدرجة لولا العقبات التي تواجه بناء فكرة وجود شكل ما قبل المسرح وربطها بالفن المسرحي الغربي كما اسماه البحث, فهذه المقدمة لم تعبر عن العنوان بما يتعلق بالشكل ما قبل المسرحي الا في القول ان هنالك اشكالا من التعبير البدائية لدى الانسان, وهذا الوصف قد يؤسس فكرة يصعب اثباتها هي الاخرى, وهي كون ما قدم من قبل المسرحيين الذين ذكروا لايمكن له ان يتخطى وصفه بالمسرح الاغريقي او الكنسي او ما بعد الكنسي وبالاحرى الغربي عموما, ودليل ذلك ما قدم له البحث من فرضية خروج المسرح من الكنيسة, وهنا يبدوا ان فرضية الشكل البدائي للتعبير مقابل الشكل الغربي للمسرح لا تستند الى مصدر مذكور في مقدمة البحث.

       لقد اسس البحث فعليا لوجود اشكال مسرحية متنوعة, مقابل شكل لا مسرحي, وليس ما قبل مسرحي, فلو كان البحث يذهب لاثبات ان هذا الشكل المحدد الذي يطلق عليه الاداء التعبيري البدائي قد اوصل للمسرح الاغريقي, فالبحث لم يبرر وجود المسرح الكنسي انطلاقا من شكل بدائي تعبيري آخر, لذا لابد من ان البحث اسس لوجود شكل محدد كاساس للفن المسرحي الاغريقي الذي اصبح الكنسي والذي هو الغربي الذي يقول بانه يقف مقابل شكل مسرحي اخر اصبح من خلال ارتو وغيره فنا مسرحيا اخر, ولم يوضح البحث بعد هذا التحديد كيفية اعتبار هذا الفن المسرحي في مقابل المسرح الغربي, فلم يذكر له اسم وصف يتفق البحث معه كما اتفق على ان هنالك وصف لفن مسرحي اغريقي واخر غربي, وهنا لابد من التذكير بان تأسيس هذه الفكرة بناء على كون المسرح الاغريقي اصبح الغربي, لا علاقة له بعنوان البحث, وعلى الرغم من ان البحث يذكر كون المسرح الغربي كان بحاجة الى الصدمة الحضارية, وهذا فقط ليبرر البحث استخدام الفنان المسرحي الغربي انماط اداء شرقية كما يسميها, الا ان البحث لم يذكر ان كانت هي ذاتها الاشكال البدائية التي قال بها سابقا, فالبحث لا يصف نوعا جديدا من الفن المسرحي, له نشأته وخصوصيته الفنية كما يحدد مسبقا فيما يخص المسرح الغربي, مع ان البحث لم يحدد خصوصية فنية للمسرح الغربي على مستوى الشكل واكتفى بالإشارة الى النشأة, كما لم يحدد فيما لو كان المسرح الغربي قد سبقته اشكال تعبيرية بدائية بالضرورة التي يفترضها, وكأن البحث يضح المسرح الشرقي موضع هذه الاشكال البدائية, ويضع المسرح الغربي بوصفه شكل الفن المسرحي اخيرا, وجرت مقارنة بناء على هذا البناء لمفهومي الشرق والغرب, انطلاقا من كون الغرب قدم فن المسرح بينما الشرق لم يقدم الا الشكل ماقبل المسرح, وليس واضحا فيما لو كان البحث يرمي الى كون الشرق متخلف عن تطور الفن المسرحي عند الغرب, فكأنما هي محاولة لايجاد بديل عن الفن المسرحي الغربي, بنيت على اساس تجارب استثمار اشكال التعبير الشرقي البدائية من قبل فنان غربي واخر في المسرح الغربي, وبالنهاية لايمكن تحديد انتماءها للشرق كفن مسرحي  له خصوصيته الشرقية مادامت تقدم من خلال الفن المسرحي الغربي وبخصوصيته الفنية المحددة والتي مرة اخرى نكرر لم يتطرق اليها البحث, مع انها كانت ستضع الشكل البدائي خارج هذه المقارنة بالمطلق, فليس من مجال لمقارنة فن مسرحي له خصوصيته الفنية بشكل تعبيري بدائي كما يصف البحث,  فلاجدوى من اجراء مقارنة على اساس فني بحت, لتوضيح خصوصية الشكل ما قبل المسرح, في مقابل الفن المسرحي.

       يبرر البحث في مقدمته كيفية الاعلان عن وجود الشكل الشرقي مقابل الفن المسرحي الغربي بالقول ان هذه الصحوة جاءت جراء المقولات الانثروبولوجية التي بدأت تنتشر وهي التي جعلت المسرحين الغربيين يعترفون بوجود الآخر المختلف مما ساهم في بناء خطابهم لنقد المركزية الغربية, والبحث يذكر ان السبب الآخر لهذه الصحوة هو الفرق المسرحية الشرقية بزيارتها الغرب, كما يرى البحث ان الغزو الغربي الكولونيالي لدول الشرق ممهدا الطريق لرحلات المسرحيين اليه ومنهم بيتر بروك وكروتوفسكي وباربا, أي ان هذه الاسباب مجتمعة ادت كما يؤشر البحث في مقدمته انتقال الفنان المسرحي الغربي من الغفلة الى الصحوة اخيرا بالتعرف على اشكال بدائية للتعبير عند الشرق, الا ان ما يمكن ملاحظته كيف ان الشرق تواق وفق هذا الوصف لكي يتم الاعتراف به من قبل الفنان المسرحي الغربي اولا, على الرغم من استثمار الفن المسرحي الغربي نفسه ومن قبل المسرحيين الغربيين انفسهم لاشكاله البدائية للتعبير كما يصفها البحث تارة وبالتقليدية تارة اخرى, بحيث لا يوجد مجال لاعتبار هذه الاشكال في مقابل المسرح الغربي بعد هذا التحليل المقدم في صدارة البحث من جهة, ولم يعد مجديا الحديث عن وجود ارضية مقارنة على اساس فني من جهة اخرى, ما بين الشرق واشكاله والغرب ومسرحه, مادامت اشكال التعبير البدائي للشرق تقدم من قبل فناني مسرح الغرب ومن خلال الفن المسرحي الغربي لنقد المركزية الغربية.

       يؤكد البحث في مقدمته على وجود نمطين من المسرح احدهما شرقي والآخر غربي, مع ان البحث وكما يذكر معتبرا الانثروبولوجيا توحد النظرة الى المسرح دون الرجوع الى هذا التقسيم, كما يشير البحث الى ان هذا التقسيم حدث جراء بحث المسرح الغربي عن الاشكال ماقبل المسرحية, لكن البحث يذكر بنفس الوقت الى ان هذه الاشكال تزخر بها جميع الشعوب, كما يقول تختلف ببعدها عن الشكل المسرحي الغربي, لذا ويكمل ان المخرج المسرحي الغربي حاول توظيف هذه الاشكال, وهنا يبدوا ان البحث يؤسس من جديد لاثبات ان المسرح الغربي كما يسميه وظف الشكل البدائي الشرقي, مع ان هنالك رأي في نفس البحث قدمه بوصفه رأيا انثروبولوجيا وهو أن الشكل البدائي بشري, لاشرقي ولا غربي, وبالتالي يكون البحث في تأسيسه على فرضية وجود الشكل الشرقي مقابل الفن المسرحي الغربي قد خالف عنوانه الذي يريد الوصول الى مرجعية الاشكال ماقبل المسرحية, وذلك من خلال اعتبار هذا الرأي الانثروبولوجي نهاية البحث عن المرجعيات المفترضة بالاضافة الى كون البحث ارجع الشكل ماقبل المسرحي الى الشرق فقط.

       مشكلة البحث استفهمت عن ماهي الاشكال ماقبل المسرحية, وماهي ابرز مرجعياتها الانثروبولوجية لاسيما, وهذا على حد صياغة البحث للمشكلة, لاسيما موضوعة البحث التعزية, وهنا ينتهي البحث من صياغة لمشكلته, التي يريد من خلالها البحث عن ثلاثة من المفاهيم, الاشكال والمرجعيات والتعزية, ويبدوا واضحا ان المشكلة لا تلتقي مع العنوان الذي يجعل من المرجعيات فقط هي مدار البحث, اما هدف البحث فيؤكد ان الاشكال المسرحية ستبحث بوصفها طقسا دينيا يقترب من صيغ الاداء المسرحي, وهكذا هدف لايتفق كما هو واضح مع العنوان بأن مرجعيات الاشكال هي مدار البحث, ولا يتفق مع مشكلة البحث من حيث ان مدار البحث في ما صرحت به المشكلة هو ايجاد المرجعيات, بالتالي تم التصريح في الهدف بالمرجعيات الدينية تحديدا لاغير, ولتأكيد هذا التركيز فقد اعلنت الحدود الزمانية التي وضعت من 2004 الى عام 2008م عن ان التعزية فقط بوصفها شكلا ماقبل مسرحي وذات مرجعية دينية هي فقط ما يدور البحث حوله, حتى ان الحد المكاني وضع العراق وايران فقط مدار البحث, دون مبرر فني, واتخذ الحد الموضوعي من التعزية كما يقول بوصفها طقسا دينيا يقترب من الاداء المسرحي, مما يؤكد الكيفية التي سار البحث من خلالها الى اعتبار كل الذي يريد الوصول اليه هو وضع طقس التعزية مقابل المسرح الغربي, وليس مقابل طقس غربي ماقبل المسرح, او وضع المسرح الشرقي مقابل المسرح الغربي على المستوى الفني, ولا مبرر واضح لكون البحث اعتبر التعزية تجسد الشكل البدائي للتعبير في الشرق مقابل الفن المسرحي الغربي كما يصفه, حيث لا يوجد دليل على كون المسرح الشرقي انطلق من التعزية كشكل ماقبل مسرحي, ولا دليل على ان المسرح الغربي قد تبنى التعزية لنقد المركزية الغربية كما يصفها سابقا, وبهذا حافظت التعزية على صفتها الطقسية ذات المرجعيات الدينية, وحافظ مااسماه المسرح الغربي على خصوصيته الفنية, فليست التعزية شكلا ماقبل مسرحي حيث لم تتطور لتصبح مسرحا شرقيا في مقابل المسرح الغربي الذي لم يحدد البحث الاشكال ماقبل المسرحية التي تطورت واصبح المسرح الغربي, كما ان البحث لم يصل لنتائج على المستوى الانثروبولوجي فيما يخص الاشكال ما قبل المسرحية وعلاقتها بالفن المسرحي, شرقا وغربا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى