ثقافة وفن

حتى لا تكون رهينة لدى “بريكة رمضان” هنا تونس.. وهي تبحث عن مؤلف يكتبها

بقلم الاستاذ لطفي العربي السنوسي

متابعة العربية 24 نيوز / ماجد لفته العابد

الدراما التونسية ملقاة في الشوارع وعلى الطرقات وشخصياتها جاهزة متروكة على العتبات.. فحيثما تولي وجهك في البلاد التونسية وعلى اراضيها من الاقصى الى الاقصى فانك تصطدم حتما باحدى هذه الشخصيات الخارجة لتوها من وضع ماساوي او من حال تراجيدي صارخ ..
الكوميديا السوداء في كل شبر وفي كل خطوة تخطوها على الأراضي التونسية… وتونس في الواقع بلد مضحك وطريف وحزين.. مواطنوه(وأنا هنا أتحدث عن الشخصيات الموجودة في الواقع التونسي ولا أتحدث عن المواطنين بصفاتهم المواطنية) بكاؤون شكاؤون مضحكون يقطر الخبث من عيونهم دمعا مخادعا.. أغبياء وجبناء أحيانا.. وبلطجية وقطاع طرق في أغلب الأحيان.. ولهم الريادة في “البراكجات” تنظيرا وممارسة متحيلون ومتحولون ومتسولون.. وموظفون مغلوبون على أمرهم.. تجار “كحلة حمراء” سفهاء وكذابون حتى وإن صدقوا .. طيبون ومسالمون وكسالى.. أهل خديعة وكارهون لها ان كانت عليهم..
نساء ونصف.. ورجال يقاتلون بشراسة من أجل فرض المساواة بين الجنسين على أن تكون في غير اموالهم ومتاعهم وما بين ايديهم.. فقهاء دين وسياسة وكرة وقانون ودستور.. خبراء في شؤون الآخرين وجهلوت في إدارة شؤونهم .. أدعياء ومنتحلو صفات.. لا شيء يغيضهم ولا شيء يضيرهم ولا شيء يحيرهم ولا شيء يزعجهم ولا شيء يخجلهم.. لا يقرؤون ولا يكتبون.. وإن قرؤوا لا يفهمون.. وإن كتبوا أخطأووا….. يجهلون تاريخ وجغرافيا بلدهم وينكرون سيرة الآباءومنجزهم… فنانون بلا أذواق وبلا تجارب تدل عليهم.. كتاب بلا كتب وصحافيون بلا نص ولا مقال.. ومناضلون بلا مواقف وان تكلموا تبدلوا بحسب المقام والألوان.. والمغانم.. نمامون هاتكو أعراض وبيوت.. القيل والقال تمرينهم اليومي.. وإن ناموا فغفوة ذئب وإن استفاقوا فللأكل والشراب والضراط وللنهب.. لا يزعجهم الغش والتحيل قبل الآذان ومن بعده وما بينهما فورع وتقوى.. سماهم على وجوههم من كثرة الخداع والتحيل.. يصلون مع علي ويسكرون مع معاوية ويقيمون الآذان في توقيته وفي غير توقيته.. انجزوا ثورة ثم أكلوها.. ولهم دولة خربوها…..
هؤلاء رهط من بين آخرين لا شيء بين أيديهم غير قوت يومهم يتوسلونه أو يتسولوه.. والآخرون هناك في عليائهم على رأس الحكم بجواره او بجوار جواره.. العائلات القريبة البعيدة والمتصاهرة متشابكة المصالح والمطامح على سابع الصهر وجيران الصهر من العائلات المحيطة بدائرة السلطة وأقربائها وقد استحوذوا على الجاه والمال وكل ما نزل على البلد من هبات وصدقات وقروض وحولوها حصريا الى ممتلكات خاصة مكدسة في بنوك الداخل والخارج ثم اقاموا الآذان في غير توقيته.. يمين ديني مخادع سرق الله والدين وأعلن نفسه متكلما بإسم السماء.. دخل البلاد على ظهر الخديعة ثم استولى على الارض وما عليها… لصوص ومرتزقة وكناطرية ينوبون الشعب في مجلس الشعب….
هنا تونس بتناقضاتها وشخصياتها وبأقليتها من الأهل والناس الطيبين..
هنا تونس.. ببؤسها وتعبها وشقائها وجمالها وفنها..
هنا تونس التي نحب.. نغضب منها وعليها أحيانا ولا نكرهها أبدا..
هذه تونس.. وهؤلاء بعض من شخصياتها المتشابهة.. أحرار وأجلاف وطيبون ومتعبون ومحبطون ومخدوعون بقلوب كبيرة.. يتحركون في الشوارع لكأنهم موتى أحياء (زمبي).. وقد هرب أغلبهم الى بر الأمان.. غادرها نخبة من أطبائها وجامعييها وأساتذة ومختصون في مختلف المعارف العلمية وقد حظيوا بعقود عمل في اوروبا أو في منطقة الخليج فالتقطوها دون تردد.. فالغربة في بلاد الأغراب ولا المهانة على أرضك وتحت سماء اهلك..
نضيف إلى هؤلاء الهاربون على زوارق الموت وهم بالآلاف من جيل الثورة يصعب عدهم وقد تقيأ البحر اغلبهم على ضفافه مقابل الشواطئ الليبية او الايطالية أو الفرنسية…
هنا تونس.. وهؤلاء بعض منها وقد توزعت اقدارهم وأدوارهم وتحول بلدهم الى متاهة مضيعة يحكمها النطيحة والعرجاء..
هنا تونس.. رواية لم تكتب بعد.. تبحث عن مؤلف فذ يكتب نصها بشغف وبعشق حقيقي لهذا البلد الذي نسميه وطنا…
هنا تونس الآن والهنا.. دراما حقيقية بشخصيات ملقاة على العتبات تبحث عن مؤلف يلتقطها فيعيد إنتاجها ويأخذها الى تلك الأعالي الشاهقة التي نسميها إبداعا وفنا يرى ما لانراه من عين ابرة تصل الوصل مع الواقع وتكتبه بشروط الفن وبلغته ولا تعيده إلينا نسخا منسوخا مشوها.. بليدا ركيكا ثقيلا.. يكرر وقائع من الواقع تماما كما هي في سياقاتها الواقعية فكل متكرر مبتذل بالضرورة ما لم يمنح الواقع وشخصياته حياة اخرى مغايرة تماما لحياتها في الواقع.. هذا ما نسميه الخلق او البعث الجديد كشرط من شروط الفن في تعاليه.. وهو تعال لا ينفصل عن محيطه وانما يعيد انتاجه لا من خلال نسخه وانما عبر مساءلته من داخل سياقاته..
كيف نعيد إنتاج أنفسنا حتى نكون أكثر صدقا ووضوحا مع الآخرين.. والآخرون هم الوطن والبلد والأهل والناس أجمعين… لقد كانت العزلة التي فرضتها الكورونا منذ أكثر من عام مواتية لكتابة نصوص كبرى ولمراجعة مفاهيم وممارسات وتجارب ومواتية للتهيؤ للانتاج الرمضاني بكل عناوينه من مسلسلات وسيتكومات والتي تحولت للأسف الى مجرد “مواطن شغل” وللظهور العشوائي كيفما جاء… وللارتزاق في سنة كانت صعبة في الواقع على أهل الفن وكل المنتسبين اليه بحق وبغير حق…
كنت في الواقع أعتزم الكتابة بجدية عما شاهدته لكن كم الخردة كان أكبر مما توقعنا وخاصة في الأعمال الكوميدية والسييتكومات التي يرى أصحابها (وتلك حدود الله )أن فن الكوميديا إنما يقوم على تبديل الهيئة والأصوات مع أفعال “برانية” تحرك الوجه باعتباره قناعا يمكن توظيفه للتعبير عن حالات مختلفة وهو كذلك بالفعل على أن تتوفر بالتوازي كتابة مساندة للحركة تقوي من حضور الشخصية الكوميدية التي تبنى على التناقضات وعلى المواقف المتنافرة والمدهشة وغير المتناسبة ..فالسخرية والاضحاك خاصة إنما ينشأ من داخل فكرتين متباينتين ..ويؤكد “شبنهاور”في هذا الصدد:”بأن الضحك يخرج من الغرابة التي تظهر لنا في موقف من المواقف..إننا نضحك عندما نشترك في رؤية الأشياء متنافرة وغير طبيعية وبلا منطق وغريبة على السلوك البشري العقلاني ..فالضحك يكمن في هذا الادراك المفاجىء لتفاوت ما ..بين الواقعي والمتخيل.. والضحك في حد ذاته هو تعبير عن هذا التفاوت وهو في الأخير موقف نقدي ساخر تجاه كل ما يحيط بنا من تناقضات”
واقع الأعمال الكوميدية في تونس بعيد تماما عن هذا الوعي الذي يؤكد على أن الشخصية الكوميدية إنما تبنى على التناقضات وعلى المواقف وليست مجرد تبديل للصوت والهيئة ما وقعت فيه كل السلسلات والسيتكومات وقد ٱستسهلت هذه النوعية من الكتابة وقدمت أعمالا رثة لا تستأهل التوقف عندها أصلا .. من سلسلة “ابن خلدون” وهي من بين أرذل الأعمال الكوميدية على الإطلاق ولم نفهم هذا الإصرار على التنكيل بالعلامة إبن خلدون وتحويله الى خردة في مثل هذه القمامة التي قال عنها جعفر الڨاسمي بأنها سلسلة تعيدالإعتبار لابن خلدون..!!!!. الى “عيشة فل” سيتكوم” بلا نص وبلا خيال وكل ما فيه بعض”الفازات” المهترئة التي تتسول الاضحاك داخل فضاء مغلق وأداء كليشي زائد ايقاع ثقيل وممل.. رغم وجود ممثلين سبق وأن أكدوا طاقاتهم الأدائية في أعمال سابقة… ويبدو أن السلسلة قدتمت فبركتها بسرعة حتى تلتحق ببريكة رمضان مرورا ب”الجاسوس”.. كوميديا تخاطب متلق لا نعتقد في وجوده بتونس، أي متلق أبله غبي وبلا ذوق .. حوارات سخيفة ومبتذلة وشخصيات تدخل وتخرج وتتكلم كيفما جاء ومتى تشاء تدور كلها من حول شخصية واحدة محورية استحوذت على المشهد بل هي التي تدير حواراته وشخصياتة من خلال خطاب مبتذل وبلا قيمة جمالية واحدة سيطرت عليه شخصية لطفي العبدلي دون توفر الحد الأدنى من شروط الكتابة الدرامية ويبدو المسلسل بلا غاية دنيا فقط مجرد محمل اشهاري لأحدى شركات التأمين.. عمل للنسيان فيه تدن قيمي وجمالي لا يمكن اغفاله أو التسامح معه..!!
مسلسل” الحرقة” نواياه طيبة لكن النوايا وحدها لاتكفي في الفن والابداع في حدودهما الدنيا… كاتب المسلسل ومخرجه ضيعا على نفسيهما الفرصة لانجاز عمل ضخم ومرجعي فيما نذر اليه نفسه فقد ضيعهما النزوع التوعوي والارشادي في مستوى الكتابة والخطاب التخويفي في مستوى الصورة والأحداث والحوار.. وغفلا عن المادة الاهم في مثل هذه الدراما أي حكايا الشخصيات من خلال ذكرياتهم التي تركوها وراءهم اي على الأرض فالحرقة يمكن ادراجه ضمن الأعمال التوعية التي تحذر الشباب من مخاطر الهجرة غير النظامية وكان بامكانه أن يفتح أفقا أكبر من ذلك لو أدرك مخرجه أن الفن لا يعني نسخ الواقع وتقديمه كما هو ففي ذلك تكرار لما نشاهده يوميا على الارض أو في البحر … السؤال كيف تصنع دراما واقعية بشروط الفن وبلغته لا بشروط الواقع ولغته..؟؟.. للأسف سقط هذا العمل رغم الطاقات الأدائية للمشاركين فيه من الممثلين في فخ الخطاب التوعوي السهل بحيث لا أفق له غير هذا النزوع التوعوي المباشرة ما أفقده أهميته كدراما من المفترض أن تنجز بشروط الفن لا بشروط الواقع….
“كان يامكانش” لعبد الحميدبوشناق أختار الكتابة على كتابة سابقة وجاهزة في مستوى البناء الخاص بشخصياتها المستوحاة من القصص والروايات والأساطير السحرية القديمة des histoires féeriques
من سندريلا الى فلة والأقزام السبعة وبينوكيو مرورا بذات الرداء الأحمر والملكة الحمراء من أليس في بلد العجائب.. مرورا بشخصيات من سلسلة هاري بوتر على غرار شخصية سنايب ويؤديها جمال مداني إضافة الى مراجع فيلمية على غرار Hunger Games وقد اسند الأدوار الرئيسية للثلاثي عزيز الجبالي وجهاد الشارني وسيف بن عمران ومرجع هذه الشخصيات نجدها في سلسلة Vikings الشهيرة..
هذه السلسلة كان بإمكانها أن تكون فريدة وأكثر طرافة لو لا تلك الاسقاطات الساذجة والمباشرة على الواقع التونسي الاجتماعي والسياسي، ما أفقد الأحداث والشخصيات سحرها كما في أصولها الأسطورية إضافة الى تكرر ورتابة الإيقاع ما أثقل المشاهد وضيع سحر الأزياء والملابس التي أضفت إبهارا سحريا على المشهد وقد فقد إلتماعاته بسبب ضعف الحوار والكتابة عموما والتي من المفترض أن تكون سندا قوياً للصورة.. وتبقى هذه السلسلة رغم هناتها تجربة مهمة في مسار عبد الحميد بوشناق وهي مغامرة حقيقية لم يستسغها كثيرون كونها مقترح غير مألوف..
لقد تعبت ….هذا على الحساب في انتظار بقية الكتاب ….نعود بعد قليل… الى ما تبقى من الخردة أو بعض من الخردة….‼️

العراق واحد موحد من زاخو الى الفاو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى