ثقافة وفن

جدلية المخرج المؤلف في المسرح المعاصر

. سعد عزيز عبد الصاحب

تنتمي جدلية المخرج المؤلف في العرض المعاصر لمرجعيات فكرية وجمالية بالغة القدم قدم وجود المؤلف المسرحي نفسه، الذي شكل عرضه الاول قبل اكتشاف المخرج المسرحي ابان نهايات القرن التاسع عشر، وولد المخرج المؤلف من رحم أزمة بنيوية في جسد المسرح المعاصر، سببها أمران الاول هو دوغمائية المؤلف وواحدية نظرته لمفهوم العرض المسرحي ودكتاتورية تعاطيه مع المخرج المشتغل بعناصر الخشبة، التي تختلف عن العناصر الادبية واللغوية للمسرح الادبي وما تجربة المخرج ستانسلافسكي وتشيخوف والخلاف الذي حصل بينهما في مسرحية (طائر البحر)، على نوع المسرحية وكيفية اسلوب اشتغالها الا دليل على ما نزعم، والامر الثاني هو غياب المؤلف المسرحي المنتمي للخشبة واصولها وقواعدها، اي المؤلف الخارج من منظومة الخشبة وتجلياتها الجمالية و(المسرحة) والعارف بتشكلات العرض المسرحي وبنيته الداخلية من اداء تمثيلي وسينوغرافيا ومكان افتراضي وضوء وغيرها، وافرزت هذه الجدلية التأريخية المزمنة بين المؤلف والمخرج مفهوم (المخرج المؤلف) كوجه جديد يمتلك استقلاليته التكوينية والبنائية في المسرح العالمي.

 فظهرت تجارب الايطالي (داريو فو) والالمانيين (بريشت) و(هاينر موللر) والاميركي(ريتشارد فورمان) الذين خرجت عروضهم المسرحية من راس واحد ومن مخيال واحد، وعندما نفحص عروضهم المسرحية، نجد أنها اقتربت كثيرا من (الخطاب) والمضامين ودلالاتها الايديولوجية اكثر من (المسرحة)، في حين نرى أن المخرجين الذين اشتغلوا على مسرحيات (بريشت) او (موللر) مثلا استطاعوا ان يضيفوا الى عروضهم اشكالا جديدة من (المسرحة) و(الاسلبة) و(الشرطية)، بفنية جاءت اكثر من اساليب المخرج المؤلف نفسه، ويمكن القول إن القراءة الجديدة المستقلة للمخرج بعيدا عن تربصات المؤلف ومراقبته، جاءت اكثر حرية وبتصورات ابداعية وجمالية انزاحت عن مركزية المؤلف وتحفظها وباتجاه العرض وشروطه التمسرحية، وهذا الرأي الذي اسوقه هنا ليس قاطعا ونهائيا، اما في التجربة المسرحية العربية، فنجد أن هناك استقرارا لنص المؤلف بوصفه مركزا وقطبا اساسيا في العملية المسرحية، لا يمكن الانشقاق عليه لفترة طويلة من عمر المسرح العربي، ولم يستحدث اجرائيا مفهوم المخرج المؤلف الا بشكل متأخر، ولذلك أسبابه الموضوعية ومنها مركزية النص في العقل العربي وهيمنته على الخطاب وتقديسه من قبل المنظومة الثقافية الراديكالية العربية، التي أسهمت في جمود العرض المسرحي وفوتوغرافيته وتطابقه الحاد وعبوديته لنص المؤلف، ومن ثم بعدها تحول فيها الخطاب نحو العرض وتبدياته البصرية في ضوء انفتاح المسرحيين العرب على المشغل المسرحي الغربي، بفواعل المغربي (الطيب الصديقي) والتونسي (محمد ادريس) والعراقيين (قاسم محمد) و(جواد الاسدي) و(سعدي يونس بحري) و(عقيل مهدي يوسف) وفيما بعد (مهند هادي) و(ماجد درندش ) الذين استطاعوا ان ينفتحوا على مفهوم (المخرج المؤلف) بتأثيرات الاشكال المسرحية الغربية، خصوصا في فرنسا والمانيا وروسيا.

 واصبح النص (نص العرض) يخلق لديهم من موارد متعددة مسرحية وسردية (روائية) او ملحمية او شعرية باتجاه شواغل الخشبة ضمن اطار جمالي وفكري جديد، أسهمت أطروحة العودة الى التراث ودعوة تأصيل النص المسرحي العربي في منتصف الستينيات الى انشاء نص متعدد المشارب والمساقات والبؤر التراثية والمثولوجية والاسطورية، فالنص الذي ابتكره (قاسم محمد) في عروض (طال حزني وسروري في مقامات الحريري) و(كان ياماكان) و(بين المالك والمملوك ضاع التارك والمتروك) و(رسالة الطير) هو صدى لتلك الدعوة ونتاج جمالي للضم الدراماتورجي الذكي لمشارب أدبية متعددة كالمقامات وحكايات الليالي وكليلة ودمنة ورسائل فريد الدين العطار وابوحيان التوحيدي وغيرهم، وكذلك نصوص المخرج والممثل (الطيب الصديقي)، التي اعتمدت مقامات الهمداني قاعدة للكتابة الاخراجية الجديدة، التي ما انفكت محاولة الولوج الى العرض وعناصره المسرحية ونشأ ما يعرف بـ(النص العلائقي) او (التناصي) كحقيقة جديدة، والعرض في ذهن المخرج المؤلف يتشكل منذ لحظة ما قبل الكتابة الدرامية، حيث يبدأ فعل التخيل للمكان والفضاء المسرحي ضمن منطق متواز، ما بين خطي الكتابة الدرامية والافتراض الاخراجي التجسيدي للزمكان والشخصيات، ويمكن الاشارة الى تجربة المخرج المؤلف (عقيل مهدي) في (التأرخة) وبناء سير افتراضية جديدة لشخصيات لا تقبع في مستقرها التاريخي والاجتماعي والثقافي كشخوص (علي الوردي) و(الجواهري) و(تنت) و(يوسف العاني) انما سحبها لمناقشة اللحظة الراهنة بموتيفات فنية كشفت صيرورة الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي وتحولاته في بلادنا من منطلقات ماركسية تارة تتمظهر من خلال موشورات غربية إطارها المعرفي والثقافي مشروع البنيوية التكوينية لـ(لوسيان غولدمان)، اما تجربة المخرج المؤلف (جواد الاسدي) فهي تختلف عن منطلقات سابقاتها فهي تنولد من التراجيديا المرة والكارثية واننا نعيش في ظل اله سادر، كأننا امام مقولات (نيتشه ) في (موت الاله) او مثول التراجيديا الشكسبيرية، ولكن بأدوات وجو وايقاع عراقي شعبي خالص.

 نص الاسدي نص تسجيلي فضائحي فيه بوح ومناجاة قاسية للشخصيات واعترافات وتعر وكأننا امام قس او بابا يقعى مطرقا لبوحها، يتشكل نص الاسدي في زمن استعادي ومكان هامشي او ثاو وحكاية جاذبة، اذ لا نص لديه من دون حكاية واضحة المعالم والدلالات، حكاية يعثر عليها في جريدة او سردية لصديق او نص سردي قصصي او روائي او حادثة درامية وقعت له ولأسرته، يحاول الاسدي ان يكتب ويمرر صوته الداخلي على لسان الشخصيات بمنولوجات محتدمة على لسان هاملت او مكبث او اوفيليا او ابن ماجد بمنطق وشبكة علاقات مغايرة، تنفي الأصل أو أن يفصح عن حادثة واقعية لمعالجة مشكل سياسي واجتماعي عضوي في جسد المجتمع، كما في مسرحيات (حمام بغدادي) و(نساء في الحرب) و(حنين حار) بتجليات لغوية (شعرية) لا يمكن ان يكتبها سواه او يخرج منطوقها البصري والاخراجي والجمالي سواه، اذ باءت بالفشل اغلب التجارب التي اشتغلت نصوص الاسدي باسماء اخرى كما فشلت قبلها اخراجات ابراهيم جلال ومحسن العزاوي لنصوص قاسم محمد في عروض (الملحمة الشعبية) و(اسواق واشواق).

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى