ثقافة وفن

تراتيل الملاك وبصريات الصمت في المسرح (التجريب في المسرح ضد التكنولوجيا)

بقلم د. فاضل سوداني

هل يمكن للتكنولوجيا أن تحول الإنسان الى كائن افتراضي ؟. حيث ( تشكل التفاعلية ـ من فديو وشاشة تفاعلية ووسائط الإتصال المتعددة وأنترنيت وواقع افتراضي ـ تهديداً فعلياً لنا؟ ،لقد تم  في كل مكان تذويب المسافات والإختلافات بين الأجناس والأقطاب المتعددة  وهو ما أفضى الى خلط جذري في المصطلحات والى إصطدام هائل بين الاقطاب جعل من المستحيل الإستمرار في لعبة إقامة التمييزات والحدود أو إصدار الأحكام سواء في الفن او الأخلاق او السياسة .) كما يؤكد الفيلسوف جان بودريار ويفترض أيضا سؤالا مهما (إذا كانت الآلة تخلق نصاً إفتراضياً ، فهل يمكن أن  تخلق  إنساناً إفتراضياً بفعل تاثير الآلة كبديل عنه ؟ ،  وبالرغم من أن الآلات لاتنتج سوى الآلات ، وهذا ما يؤكده تطور تكنولوجيات الإفتراضي .إذ يفضي التقدم قي المكننة  الى تذويب التمييز بين الإنسان والآلة. ولربما لم يعد الإنسان إلا الواقع الإفتراضي للآلة) وفي مجال مناقشتنا لعلاقة الانسان بالجانب الجمالي من حياته الروحية يتحتم علينا طرح السؤال التالي:

هل تستطيع الآلات ان تفكر وتخلق  بصريات الجمال؟

 او هل تدعم التكنولوجيا الفنية تطور الفنون وبالذات  المسرح وتعيده الى لغته الخالصة وذلك عند استخدامه لوسائل التكنولوجيا كالفلم والوثيقة والفديو والانترنيت  والصوت الخفي أي الصوت  المسجل وغيرها ؟؟من أجل أن تمنح الانتاج الفني جمالاً وإصالةً وبعداً فلسفياً يساعدنا على التعبير عن جوهر مشكلاتنا الحياتية ؟

     من الضروري ألا ننسى بأن فلاسفة الشك ماركس ،نيتشه وفرويد  ثبتوا الشك  كمبدأ أساسي في التحليل والتأويل ، ولا يمكننا أن نحقق هذا ونحن نعيش  وسط       اليقينيات و التابوآت سواء كان ذلك  في الفكر  العالمي اوالعربي ، ولذلك علينا التزام مبدأ الشك في ثوابت ما إعتدنا عليه في قيمنا وجمالياتنا، مضيفين الى الشك      مبدأ تأويل التأويل، بمعنى أن نشك أكثر بما نقدمه .

ومن المعروف إن التجريب والطليعية في المسرح ألآن هي نتاج  لثورات وإتجاهات فنية  حدثت  بداً من الربع الأخير من القرن التاسع عشر وبداية العشرين 

والذي مهد لهذا التجريب أيضا هي التطورات العظيمة في القرن العشرين التي منحت  إمكانيات جديدة للمسرح فأرتبط بالتطور الثوري في الجانبين العلمي والتكنولوجي.

وقد تركزت  الثورة التجريبة والطليعية في خمسينات القرن الماضي في شتى عناصر  المسرح وخاصة في النص المسرحي  حيث  كان للمؤلف الطليعي الدور الأساسي في خلق أساليب التأليف البصرية الجديدة في هذه الفترة ،وفي المقدمة كانا يونسكو وبيكيت اللذان لم يؤسسا النص البصري فحسب ، بل أثرا حتى على طبيعة الرؤيا الإخراجية أيضا وكذلك مكونات سينوغرافييا الفضاء المسرحي الذي تحول في نصوصهم الى ميتافيزيقيا الفضاء ، فكل شئ كان في لحمة النص وهكذا يجب أن

يكون عليه النص المعاصر في علاقته  بالتكنولوجيا التي يجب أن تكون وسيلة بصرية لغوية كجزء من أحداث ومعمارية النص البصري وهندسته وبالتالي جزءاً من الرؤيا الإخراجية وبهذا يتم التكامل بين العملية الابداعية وبين التطور التكنولوجي وإستخدامها في المسرح .

ويعتبر الفريد جاري وأبولينير وانتونين آرتو من الذين مهدوا لثورة المسرح وبالذات في  النص البصري الذي كتبه بعد ذلك كل من يونسكو وبيكيت وكوكتو وآداموف  وجينيه وأدوارد آلبي وغيرهم.

ففي مسرحية أوبو ملكا  1896 وابو مكبلا ، ثار الفريد جاري ضد المفاهيم البرجوازية  وكشف عن عالم مقلوب القيم  حيث الحرية تعني العبودية وبالعكس.

وقد وصف اندريه بريتون مسرحية أوبو، بأنها المسرحية التنبؤية  الثأرية الكبرى للعصر الحديث ، لأنها تنبأت بمستقبل عالمنا وهو يعيش وسط الفوضى الكونية.

وقد لعبت مسرحية ثديا تريسياس السريالية لأبولينير دورها وتاثيرها أيضا ليس فقط على عالم يونسكو المسرحي وإنما على عموم مسرح الطليعة . إضافة الى تأثير نصوص كل من ترستيان تزارا و روجيه فتراك وريمون روسل وجان كوكتو.

وبالتأكيد فان أنتونين آرتو وأفكاره حول مسرح القسوة  وربطه بين المسرح والميتافيزيقيا وجميع الاتجاهات الفلسفية والأدبية  الجديدة في القرن العشرين وخاصة الفلسفة الوجودية و كذلك أفكار سارترالوجودية  أثرت على مؤلفي المسرح الطليعي عموماً ، مما شكل مفهوماً فلسفياً جديداً يؤكد بأن جوهر حياة الإنسان هما العبث واللامعقول وان هنالك قوة تشيئ الإنسان..مما مما يؤدي الى أن تصبح اللغة عاجزة عن التواصل الإنساني ،  فيعيش الإنسان في عزلة مطلقة ، وحتى وإن يبدو هذا وكأنه اغراق في العبثية إلا أنه يجب علينا أن ننظر له بجدية مادامت الاستغلال الراسمالي خلق مفهوماً جديداً للإغتراب وجعله جزءاً من مقومات حياتنا ،إضافة الى الإستغلال الوحشي للإنسان مما يؤدي الى تحول القيم النبيلة الى إستثناء في عالم مبني على توحش الإستغلال.

ولكن الخطورة الآن  تكمن في أن العجز الذي يصيب  المسرح المعاصر هو نتيجة للجوءه للإستسهال عندما تستخدم التكنولوجيا  بطريقة  ملصقة ومفروضة على النص والعرض بدون فهم حقيقي لدورها ، وبالذات  عندما يتخلى المؤلف المسرحي عن أسرار لغته المسرحية الخالصة  أمام لغة الآلةمن أجل الابهار فقط.

وكذلك فقد ابتلى النص و العرض المسرحي  بالتكرار والآلية حتى أصبح  المسرح عموما مملاً ووسيلة للتجارة  وهامشية الفكر والجمال المزيف ، وذلك  نتيجة لكون المؤلف الآن يكتب نصاً مسرحياً أدبياً خالضاً بعيداً عن لغة المسرح البصرية ، لأنه غير قادر على الإعتراف بحاجة المسرح البصري الأكثر حداثة الى كتابة النص البصري الذي من المفروض أن  يكتبه مؤلفاً بصرياً متمكناً من قوانين ولغة المسرح، ويخرجه مخرجاً  بصرياً أيضا . مثل هذا النص هو الذي يدخلنا جميعاً الى زمن إبداعي جديد ،وأن يخلصنا من قدرة الالة والتكنولوجيا على تهميش الوعي الفني والجمالي وبالتالي تهميش لغة وفلسفة المسرح وتاثيرها على الانسان الواعي الذ لا بد أن يحتويها النص  المسرحي بلغته الخالصة  

 وتعتبر دراسة نصوص يونسكو وبيكيت ومفاهيم آرتو وكتاب مسرح الطليعة  شئ جوهري لأنها تمنحنا الحصانة ضد تأثير سرديات الأدب والفهم الآلي للتكنولوجيا في تهميش لغة النص المسرحي ،مما يدعونا الى رفض هذه الآلية التكنولوجية بإستخدامها الجاهل  في المسرح . ولكن مكتشفات عصرنا التكنولوجية تحتم علينا السؤال التالي :

 هل أن استخدام الوسائل التكنولوجية بهذا الشكل ــ الآلي وغير المفهوم ـ ستساعد على أغناء لغة النص والعرض المسرحي وكيف ؟ طبعا هذا هو أحد الأسئلة التي تحتاج الى كشف مفاهيمنا عن مستقبل المسرح العربي .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى