ثقافة وفن

تأملات نقديه بعيدا عن الزنزانه صورة هنا تكون

بقلم الناقد حمه سوار عزيز

متابعة العربية 24 نيوز : ماجد لفته العابد

ضمن فعاليات المهرجان المسرحي الدولى الافتراضى الاول للمونودراما الذى ينظمه كليةالفنون الجميله في جامعةالبصره، قدم فرقة اهوار سومر من العراق وتحديدا من محافظة الناصريه، مسرحية ( الزنزانه)  تأليف عباس عبار الجنوبي و تمثيل على الضهد، سينوكرافيا واخراج مصطفى الاسدى،العرض قدم ضمن فعاليات اليوم الاول للمهرجان وانا كان لى الشرف التعقيب عليه.

المسرحية كما هو واضح من عنوانها تتحدث عن مساحة مر على المسرح العراقى و العربي و الكردى و المسرح الشرقى عموما وهي مربع  السجن والمعاناة القاسيه التى يعانيها السجناء في ظل الانظمه الاستبداديه و النظام الامنى القاسى التى يفرض عقوبات قاسيه و أشكال متعدده من التعذيبات اللاأنسانيه تجاه من يعارضونه سياسيا وفكريا وعقائديا، وتعد مسرحية الكاتب الكردى العراقى الكبير محى الدين زنكنه (تكلم يا حجر) نموذج حي ومبدع لهذا النوع من الكتابه المسرحيه و هذه المساحه الموضوعيه التى تناولتها المسرح في العراق.

تعتبر الكتابه في هذه المساحه للمسرح من اسهل أنواع الكتابه المسرحيه وفي نفس الوقت من أصعبها، الكاتب عندما يعمل في هذه المساحه لايجد معاناة كبيره في تحديد الشخصيات و الحدث و الحبكه والصراع، لآن بمجرد أن ندخل في تلك المساحه نرى مجموعه من الشخصيات كالسجين و السجان والمحقق والضابط وشخصيات أخرى ينتمى الى عالم البطل كالضحايا والحبيبه والاطفال والاهل وغيرهم من الشخصيات التى ممكن أستحضارهم داخل ثناء العرض، والفكره ايضا متوفره بوجود تلك الصراع الازلى داخل جدران السجون وما يحتويه من الافكار التحرريه و بين السجانين وأفكارهم التسلطيه و اساليبهم اللاأنسانيه في ترهيب الاحرار وتذليلهم.

الصعب في الموضوع هو أتيان بالجديد والمبتكر في تلك المساحه المغلقه على نفسها، فاذا لم يكن الكاتب على درجه كبيره من الدرايه والفهم وذو خيال واسع و نظره مغايره للاشياء و الثوابت، قد يقع في دائرة التكرار والتشابه الغير المجدي كما وقع بها كثير من الكتاب الذين كتبوا في هذه المساحه و منهم كاتب هذه المسرحيه، لان من أصعب الامور ان تأتى بالافكار والتصورات المغايره والمبتكره داخل مساحه محدده ببعض الافكار والصراعات التقليديه، هذا الامر يحتاج الى كاتب بدرايه مختلفه وفكر ابداعى عالى كما فعله هارولد بنتر في مسرحية (لغةالجبل) المسرحيه التى تتحدث عن ما يتعرض له السجناء الاكراد في سجون الدوله التركيه.

الكاتب عباس عبار الجنوبي وقع في مصيدةالتكرار و الاعاده للصور المتوقعه ان نراها داخل مساحة السجن وهي التظلم والتعذيب اللاأنسانى والعلاقه الجدليه بين السجين والسجان وايهما يعتبر سجينا و كذلك الحوار الدائر بين المحقق و السجين فيما يخص الاعتراف و حمل التهم الملفوقه تحت وطأة التعذيب، خاصةفي المونودراما  يلجأ  الكاتب لسرد كافةالشخصيات من خلال الشخصيه الرئيسيه و أستحضارهم عن طريق تمثيل تلك الشخصيات وادراةالحوار بينه وبين الشخصيات المتعدده المستحضره داخل ثنايا النص المسرحى وبعدها العرض المسرحى، ولكن هذا النص ليس نصا مونودراميا بالاساس وهو يحتوى على مجموعه من الشخصيات و قد اعده المخرج دراماتورجيا لكى يقدمه كعرض مونوردامى.

كثير من كتاب المونودراما و بسبب صعوبة خلق فضاء درامى يعتمد الصراع و المشاكسه و ابتكار الافعال والحالات الدراميه المعبره عن جوهر الصنعه المسرحيه و أفتقارهم الى المعالجات الدراميه بوجود شخصيه رئيسيه واحده داخل النص، يلجأون الى لغه بديله عن اللغه المسرحيه الدراميه وهي لغة الثرثره اللفظيه والكلاميه والتلاعب بالمصطلحات ، فنرى الكاتب يغرق النص بكثير من الجمل والمونولوجات الطويله التى تعتمد مشاكسات لفظيه وشعريه، لغه نثريه مفخخه و مزخرفه بالعبارات والجمل بعيده كل البعد عن الفضاء الدرامى للمسرحيه و لايساعد المخرج ولا الممثل على تجسيد تلك الكلمات  و تحويلها الى حاله دراميه مرئيه و محسوسه يمكن التواصل من خلالها مع المتلقى ولايستطيع أن يرتفع بالخط الدرامى داخل العرض والنص، وهذا النص رغم انه ليس نصا مونودراميا بالاساس الا انه في كثير من تفاصيله يستلم الى هذه المعضله ولايستطيع تجاوزها والحسنه الوحيده للنص هي استحضار شخصيات السجناء السابقين في نفس الزنزانه والنهايه الدراميه الاكثر من الرائعه عندما يموت البطل  لكى يستعيد حريته ونفسه، وهذا الموت فيه كثير من التفاؤل والتحدى وهو موت ملئ بالحياة والتواصل والاستمراريه من خلال المشهد الاخير للمسرحيه في حال اذا كان هذا المشهد اتيا من خيال الكاتب وليس من أضافة المخرج، والجانب الاخر مضئ في هذا العرض هوالخطاب السيمولوجى الذى ينطلق من مساحة السجن لكى يصور لنا جغرافيه اكبر واشمل وهي جغرافيةالوطن و مايتعرض له المواطن من الظلم و القهر حتى تحول الى سجن كبير و السلطه تتحول الى سجان يقمع الحريات و يكمم الافواه والعقول.

التمثيل في الزنزانه:

لعل التمثيل في مسرحيه مونودراميه او ذات صوت درامى واحد كما يسميه الدكتور حسين على هارف، من أصعب أنواع  التمثيل على خشبات المسارح، لأن الممثل فيها يتعرض لمواجهه عنيفه مع المتلقى لكى يقنعه بما يقدمه من الفرجه المسرحيه و يعوضه عن غياب الشخصيات الاخرى الحقيقيه و غياب الصراع الدرامى الحقيقي بوجود ممثلين مختلفين بهيئاتهم وادائهم ونبرات صوتهم وايماءاتهم المسرحيه الحقيقه و ليس شخصيات وهيئات مستحضره من خلال نفس الممثل، انه حرب غير متكافئ بين ممثل وحيد على المسرح وبين المتلقى الذى لا يرضى بالقليل و يطلب منه الكثير والاكثر، فاذا اراد الممثل ان يقنع المتلقى يجب عليه ان يملئ الفراغ بشكل مبدع و خرافى لكى يحسس المتلقى بالشخصيات الاخرى الموجوده معه داخل العرض، اي أن يكون مقنعا الى تلك الدرجه يستطيع من خلالها أن يوهم المتلقى بالموجودات و الاحاسيس و الايماءات الغير الموجوده أصلا داخل العرض المسرحى، لهذا المونودراما لايمكن ان يقوده ممثل عادى أو متوسط ، وحتى ممثل جيد، المونودراما يحتاجممثل خارق و رائع ،ممثل بمواصفات خاصه وطاقه ابداعيه و حسيه و اقناعيه عاليه قد لايتوفر عند الكثير من الممثلين، وهذه الطاقه ليست محصوره بالطاقه الادائيه و لياقة الممثل، انما هي طاقه ذهنيه و حسيه و صوتيه و جسديه يستحضرها الممثل من خلال الدرايه التامه بطراز العرض الذى يقدمه وثقافته العاليه  و شخصيته الكاريزميه في القياده و ارضاغ الاخر عن طريق الاقناع و الابداع، الاقناع بما يمكن أن تتخيله و تبدعه كممثل وتجعل المتلقى يؤمن به ايمانا صادقا مع انه بالاساس حاله حسيه وجماليه متخيله و غير مجسده بشكل حقيقي. 

هل كان الممثل على الضهد يمتلك على الخواص الذى يجعل منه ممثلا مونودراميا؟

انا أعتقد ان الممثل حاول كثيرا أن يجتهد ويعمل على توصيل مكنونات الشخصيات الذى مثلها خلال العرض، و حاول من خلال الصوت والايحاء و الملامح و التحكم بالنبرات الصوتيه و الطبقات و الانفعالات الحسيه ان يقدم لنا الشخصيه الرئيسيه و الشخصيات الاخرى الموجوده داخل ثنايا العرض المسرحى، لان الممثل في العرض المونودرامى يمثل الشخصيه الرئيسيه و يقدم من خلال التحولات الشخصيات الاخرى المراد استحضارها،( اي ان الممثل يقدم طرازين مختلفين من الاطر التمثيليه داخل فضاء العرض، طراز يعتمد على التجسيد و  التقمص عندما يقدم الشخصيه الرئيسيه، و طراز اخر تقديمى  عندما يحاول عرض الشخصيات الاخرى المستحضره ) ويمكن أن يكون الممثل على الضهد  قد حقق بعض من هذه الامور من خلال الصوت و النبرات و الطبقات و رسم الاحاسيس و الايحاءات المختلفه، ولكن يظل السؤال الاهم اين كان حضور الممثل جسديا داخل العرض، فأنا تأثرت بالصوت و الطبقات الصوتيه وتنويع في الاحاسيس، ولكن كل هذا كان داخل جسم مشلول نسبيا غير مرن و غير قادر على الحركه الانسيابيه و الجماليه، توظيف  الممثل لادواته الجسديه في تجسيد الشخصيات و الحركات و الحالات الدراميه المختلفه و المتنوعه كان توظيفا بدائيا وتقليديا ولا يرتقي الى مستوى الاداء في المسرح المونودرامى، والمخرج لم يساعد الممثل كثيرا في هذا المجال، فجسد الممثل كعلامه مسرحيه مهمه كانت غائبه بشكل كبير و لم يتجاوز الايقونه المرئيه للشخصيه على المسرح، حتى الحركات أقتصرت على مجموعه من الحركات أفقيه مكرره خاليه من الجمال و الانسيابيه و بعيده كل البعد عن المشاركه في التجسيد و الترسيم، فكان هناك تخبط حركى واضح داخل الفضاء العرض و غابت الانسيابيه والاقناع من خلال عملية التحول في الشخصيات و ادارة الصراع و الحوار داخل الحالات الدراميه، و كان لغة النص ثقلا اضافيا على الممثل استنزفت كثير من طاقاته الحسيه و الذهنيه في محاوله يائسه لتجسيد ما هوغير قابل للتجسيد، حتى علاقة الممثل مع الاكسسوارت الموجوده كعارضة الملابس و الاقمشه البيضاء التى مثلت أشباح السجناء السابقون، لم يكن مبنيه على عفويه وانسيابيه منسجمه لكى يرسم لنا الفورمه الجماليه للعرض، بل كان هناك تسرع واضح في استخدام هذه الاكسسوارات و تجسيدها لرسم ايقونات و علامات بصريه متخيله مما اثرت سلبا على الغايه من استخدام هذه الادوات داخل سياق العرض.

السينوكرافيا و الاخراج:

حاول المخرج رسم رؤيته الاخراجيه من خلال الربط بين عالمين،عالم واقعى عاشه ممثل و عالم أفتراضى تمثلت بالصور و الايقونات والمشاهد التى عرضها في الخلفيه لكى يستعيض عنها بدل الديكور التقليدى ورسم سينوكرافي  له قابلية مواكبة الاحداث و الحالات الدراميه و التحولات المشهديه في العرض، فكان له ما اراد في بعض لحظات قصيره في العرض كالبدايه ومشهدالساعه و المشهد الختامى للعرض، لكن ماعدا هذه اللحظات الخاطفه كان هناك عزله تامه بين الممثل و بين الفضاء المتكون للعرض، فالمخرج لم يستطيع ان يحدد هارمؤنيه ادائيه حسيه و بصريه يجمع فيها الممثل مع المؤثرات البصريه و الايقونات و المشاهد الذى استخدمها كجزء من سينوكرافيا العرض و بنى عليها خطاب العرض من خلال عاملى الحركه والسكون التى كان من المفروض ان يعطى الممثل بعدا منظورا حقيقا تخلصه من الثرثره اللفظيه و السمعيه الذى تسيد العرض، فكان الممثل غريبا و منعزلا عن ما يدور خلفه ككواليس مرئيه تعبر عن اللحظات الحسيه و الجماليه للعرض وترسم فضاء  الزمكانى والحسي والسايكولوجى، فهذه العزله قد اثرت سلبيا على الصوره الجماليه للعرض و لم يترئ الا في بعض ومضات خاطفه، انا هنا لا أقترح الحلول او السيناريوهات البديله، ولكن كان يمكن للمخرج ان يستفيد اكثر من وجود شخصيتين على المسرح شخصيه فوق الخشبه و شخصيه داخل المشاهد السينمائيه المعروضه فى الخلفيه لكى يسحب العرض من جغرافيه السرد و الى المساحه الدراميه المرئيه.

كذلك كان هناك استخدام رائع لعارضه نشف الملابس و لو ان وجوده  داخل غرفة السجن كان يحتاج الى اقناع  موضوعى و منطقى اكثر، مع هذا استفاد المخرج كثيرا من هذا الاكسسوار و حاول ان يرسم لنا من خلاله صور و ايقونات متعدده، الا ان غياب اللمسه الجماليه في التعامل الممثل مع هذه القطعه، جعلت كثير من هذه الصور و الايقونات تفقد جماليتها و هارمونيتها المنتظره من خلال اندماجها مع جسد الممثل و الحركات و خلق حاله حسيه مرئيه و ناطقه بين الممثل و ادواته التقنيه المستخدمه في  العرض.

غاب الموسيقى في تأثيره الدرامى داخل العرض و اقتصر دوره على مواكبه الحالات الحسيه و النفسيه المتوافقه مع سايكوجية الممثل دون ان تكون عنصرا منفردا في صنع الحدث و مساعدة العرض في نسقها الدرامى و خلق حوار حسى مع الممثل و الجمهور معا، الاناره كان اكثر حضورا من خلال استخدام بعض الالوان و محاولة تغير بعض من تفاصيل البصريه للعرض دون ان يكون عنصرا فاعلا داخل منظومةالسينوكرافيا.

المخرج كان يمتلك فكرا و رؤيه اخراجيه جيده وأستطاع ان يستفيد كثيرا من الفضاء الافتراضى وادواته السينوكرافيه ولكن يعاب عليه انه لم يستطيع  ان يتعمق في التفاصيل الصغيره لكى يخرج لنا جسد العرض ككيان ابداعى متناسق و منسجم و  يستفيد اكثر من توظيف الممثل من خلال صنع هارمونيه بصريه يجمع ما بين الممثل كأداةرئيسيه و بين أدواته السينوكرافيه المساعده.

*تعد عملية التلقى المسرحى من خلال المنصه الالكترونيه من اصعب الانواع التى قد تفقد كثير من جماليات العرض المسرحى بسبب  العزله الحسيه التى يعانى منها المتلقى عندما يتابع عرضا مسرحيا من البعيد، وهذا اصعب في عملية النقد المسرحى، و اكيد هذا التواصل يفقد كثير من الاشتباكات الجماليه التى يبحث عنها الناقد و يحجبها هذا التواصل العقيم بين المسرح و المتلقى، لذا في كثير من الاحيان يكون الكتابه النقديه من البعيد امرا غير محبب و غير عادل للطرفين، ولكن بسبب هذه الظروف الغير العاديه لم يكن هناك حلول كثيره و أتمنى بأن مساهمتى من خلال اللجنه النقديه والورقه النقديه قد ساعدت ولوقليلا، مع حبى وتقديرى لكل المساهمين و لصانعى هذا العرض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى