سياسية

النهضة و«جيشها الأزرق» وهذيان الأيّام الثلاثة

لِمَ أفزعتهم زيارة سعيّد إلى مصر..؟

تونس : لطفي العربي السنوسي

أثارت زيارة الرئيس قيس سعيد الى مصر والتقائه بالرئيس عبد الفتاح السيسي غضب ما تبقى من الجماعات الاخوانية في البلاد العربية كما اثارت غضب «أذيالهم» ممن وفدوا حديثا على أوطانهم.. ثم تحول هذا الغضب الى معركة «حامية الوطيس» خاضها «الجيش الأزرق» على صفحات الاخوان وقد أطلقوا كل ما في ترسانتهم بل هم أفرغوها في وجه الرئيسين  سعيد والسيسي شتيمة وسبابا بكل «اللغات الحيّة».. ولم تتردد قيادات اخوانية من حركة النهضة في التعبير عن استنكارها لهذه الزيارة بل عبرت عن خوف حقيقي من التقاء قيس سعيد بالرئيس عبد الفتاح السيسي واعتبرت ذلك مقدمة لبداية «تصفيتهم»…

الرئيس السابق صنيعة الاخوان في تونس المنصف المرزوقي نهض من غيبوبته وأدلى بموقفه الذي يعكس عداوة لا غبار عليها لمصر ولرئيسها السيسي وحقدا على الرئيس التونسي بقوله : «قيس سعيد لم يعد يمثلني بعد هذه الزيارة ولا يمثل الثورة ولا استقلال تونس ومصالحها..» وهذا حديث لانستغربه ـ في الواقع ـ من الرئيس الاخواني الاسبق والذي كان بمثابة الفاصل الذي ورد خطأ ضمن سياقات خاطئة خاصة وان الرجل لا يخفي حقده على كل التونسيين.. ألم يهدد رجال تونس ونساءها بالمشانق ان هم «تطاولوا» على قطر وحكامها..؟

لقد فزع اخوان تونس ولم يهدؤوا ولم يناموا على امتداد الأيام الثلاثة لزيارة قيس سعيد الى مصر «ولبستهم» حالة من الهذيان المرضي الذي ينتج عادة من «خوف غير مفهوم» ومن «قادم غامض» وهي «حالة» تتمكن ـ عادة ـ كما في تفسيرات علم النفس الحديث من الاشخاص الذين يخفون جرائم أو هم ارتكبوا جرائم بالفعل ويخشون من فضيحة كشفها… فلِمَ كل هذا الفزع الاخواني من زيارة الرئيس قيس سعيد  الى مصر؟ ما الذي يخفونه على تونس وعلى التونسيون..؟ ما الذي يفزعهم الى حد بلوغهم هذه الحالة من الهذيان..؟ ما الذي يخشاه القيادي الاخواني عبد السلام بوشلاكة صهر راشد الغنوشي من زيارة قيس سعيد الى مصر؟ ما الذي دفعه الى كتابة تدوينة على صفحته عبر فيها عن خوفه من هذه الزيارة وختمها بقوله «ربي يحسن العاقبة…» فما العاقبة التي يخشاها صهر رئيس الحركة الاخوانية؟ ما الذي أفزع السيد نور الدين البحيري رئيس كتلة الاخوان في البرلمان..؟ ما الذي استنهض همته ودفعه للدعوة الى بعث «كتلة تاريخية» لمواجهة «الديكتاتورية الناشئة…»؟ ما بال الجماعة على هذه الحال من الخوف والارتباك والفزع…؟ ما الذي فعله بهم الرئيس وما الذي يسعى اليه من خلال زيارته الى مصر في هذه المرحلة بالذات وهي المرحلة التي وصل فيها قيس سعيد الى قطيعة تامة مع حركة النهضة ومع عرّابها بصفتيه الاولى كونه رئيسا لمجلس نواب الشعب والثانية بصفته رئيسا للحركة الاخوانية… والرئيس سعيد يقاطعه بصفتيه هو وكل جيرانه في «قلب تونس» وائتلاف الكرامة ورئيس الحكومة وكل وزرائه… والرئيس سعيد يعتبر كل هؤلاء «لصوص الجمهورية» وقد باعوا ضمائرهم في سوق النخاسة وقدرهم بالفلسين مردود – على حده تعبيره -… وكلّنا يعلم ان الرئيس قيس سعيد لا يعترف بمنظومة الحكم المجاورة لقصره ويتعاطى معها مرغما ولا يلتقيها في غير المناسبات الوطنية وإن التقاها فهو لا يتردد في تبخيس وتوبيخ عناوينها الرئيسية وآخر «حصة توبيخ» كانت بمقبرة الشهداء  يوم 9 أفريل الجاري… فهل ان زيارة الرئيس قيس سعيد تشكل خطرا حقيقيا على اخوان تونس وعلى وجودهم الآمن…؟ هل تعتبر مقدمة حقيقية لاقصائهم بالتي هي أحسن من المشهد السياسي…؟

هل بامكان الرئيس قيس سعيد ان يذهب الى خيارات تصعيدية ضد حركة النهضة…؟ وما هي هذه الخيارات…؟ وهل ان ما يتمثله التونسيون اليوم من ادراكات تعي جيدا حجم المكاسب التي حقّقوها على امتداد السنوات العشر وخاصة في مجال الحريات والتداول ديمقراطيا على السلطة يمكن ان يتخلوا عنها بسهولة وبالتالي السماح بأن تذهب تونس الى «خيارات دم» كالتي ذهب فيها نظام السيسي والذي أنهى الاخوان ب «القوة العامة» و«اقتلعهم» من جذورهم وحسم أمرهم بالدم…؟!

الواقع ان ما حدث في مصر كان يمكن ان يحدث في تونس سنة 2013 خاصة بعد الاغتيالات السياسية وكلنا يذكر كم كانت تلك السنوات مرعبة ودموية وكم كانت صعبة على اخوان تونس وكانوا يتوقعون «السيناريو المصري» الى أن ألقى اليهم الاتحاد العام التونسي للشغل (تحت مسمى الرباعي) قشّة النجاة وكان عنوانها الحوار الوطني فأمسكوا بها بشدّة وقد رأوا فيها خلاصهم وكانت خلاصهم – بالفعل – وهم مستمرّون الى الآن في الحكم بسبب تلك «القشة» وكانت «قشة نجاة» حقيقية و«هدية» بحجم «الحلم الاخواني» وقد جاءتهم من سماء الاتحاد العام التونسي للشغل (الرباعي الراعي للحوار الوطني) وقد نال من أجلها وبسببها «جائزة نوبل للسلام»… هذا كلام للذكرى – فقط – حتى لا ننسى ما ورد في رواية الثورة من تفاصيل دقيقة يسعى البعض الى طمسها.

والواقع أن السيناريو المصري وخيار الرئيس المصري في تعاطيه مع اخوان مصر لم يكن لتحتمله تونس فـ «الدم ثقيل وصعب» حتى وإن كان دم عدوّك… لذلك اختارت تونس، وتناغما مع طبيعة المجتمع والثورة، التعامل مع «حركة النهضة» كأمر واقع و«كشرّ» لا خلاص منه الا عبر آلية الانتخابات الديمقراطية وهذا مكسب تحقق لتونس ولا يمكن – بالتالي – التخلّي عنه أو التفريط فيه بما يعني ان اخراج حركة النهضة من الحكم لا يمكن ان يتم الا من خلال صناديق الاقتراع ولا سبيل «لاهدار الدم» مهما كانت حدّة الخصوم أو الأعداء… وهذه قناعة لا سبيل لتركها ما دامت الديمقراطية وآلياتها تسمح لنا بانهاء الخصوم عبر آلية الانتخابات أو منعهم قضائيا من الانخراط في أي انتخابات سواء كانت تشريعية أو رئاسية اذا ما ثبت «اجرامهم» وقضى القضاء في ذلك…

وعليه نقول وَاهِمٌ من يعتقد بأن زيارة الرئيس قيس سعيد الى مصر ستنهي وجود الاخوان… وواهم من يعوّل على هذه الزيارة لانهاء حركة النهضة… وواهم من يعتقد ان زيارة سعيد الى القاهرة ستتوّج – فورا – بفتح ملف الحركة الإخوانية بكل العناوين العالقة بها من الاغتيالات السياسية الى الجهاز السري وما بينهما من جرائم فساد معلقة بين قضاء متواطئ وحكومات مخترقة مشدودة من «مفاصلها» تسيطر عليها الحركة التي لم تغادرالحكم منذ تولته سنة 2011 وإن خرجت من أبوابه الصغرى فقد عادت اليه سنة 2014 من الابواب الخلفية لقصر قرطاج بعد أن أَعْمَل فيها الرئيس الراحل الباجي قائد السبسي ذاك المفتاح المغشوش واسمه «مفتاح التوافق» وقد ارتدّ عليه بعد ذلك مباشرة ليدرك متأخّرا أن الحركة لا ميثاق عندها ولا عهد…

زيارة قيس سعيد الى مصر هي زيارة عادية لإعادة ترتيب العلاقة بين البلدين ولتضميد جروج صغيرة احدثها اخوان تونس على جسد هذه العلاقة زمن حكمهم وللنظر في حصة تونس في ملف إعمار ليبيا ولتوحيد المواقف في القضايا الاقليمية والدولية زائد اتفاقيات بروتوكولية تحدث في زيارات الدولة اضافة بطبيعة الحال الى التعاون الامني وتوحيد المعلومات الاستخباراتية لمواجهة الارهاب وكل عناوينه خاصة مع العودة الجماعية لنساء وابناء الارهابيين التي انطلقت في اتجاه تونس وهذه كلّها ملفات واتفاقيات لا تستهدف غير «القوى الارهابية» والجماعات الموالية لها والتي تستهدف أمن وسلامة الدولتين تونس ومصر… وخوف اخوان تونس من زيارة قيس سعيد والتقائه بالرئيس السبسي لا مبرر له وفيه اقرار ضمني بأنهم «يخفون اشياء» لا نعلمها يخشون انفضاحها والا ما الذي يفسر فزعهم وهذيانهم على امتداد أيام الزيارة… نختم بالتأكيد على ان الذي يعوّل على الشقيقة مصر وعلى رئيسها لاسقاط اخوان تونس ولإخراجهم من الحكم إنما هو واهم… ولن يكون ذلك إلاّ عبر آلية الانتخابات وهي آلية متاحة – اليوم – في تونس وممكنة وعلى التونسيين ان «يستفيقوا مبكرا وقبل فوات الأوان» كما في الانتخابات الاخيرة…وان ينتخبوا القوى التي يرونها مؤهلة لتحكم البلاد وما عدا ذلك فهراء ووهم… وإن كان قيس سعيد يبحث عن ملفات الاخوان وما علق بهم من جرائم فهي لديه وبجواره وبين يديه ولا تستحق ذهابا وايابا الى مصر

العراق واحد موحد من زاخو الى الفاو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى