ثقافة وفن

الآراء التي برزت بصدد طلبي رعاية الشاعر سعدي يوسف تباينت بين مؤيد ورافض وهنا وددتُ أن أبيّن بعض المسائل

بقلم الدكتور حسن ناظم وزير الثقافة والسياحة والاثار

العربية 24 :متابعة ماجد لفته العابد

هدفي من الكتاب أن أرسل رسالة إلى العراقيين، إلى العالم العربي، إلى العراقيين خاصة الذين يقولون دوماً إن بلدهم يخذلهم في الملمّات، رسالة أن دولة العراق الجديدة لا تتخلى عنهم رغم كلّ شيء.

هدفي أبعد من العناية بسعدي، أبعد من رعاية مريض، أبعد من الآني الذي يحفّ بنا.

كل ما قلتموه عن سعدي صحيح في مواقفه السيئة وتخاريفه في أرذل العمر التي لا تدخل في باب حرية التعبير. وقد كتبت مقالاً طويلاً نشرته قبل سنوات (سأنشره هنا) عن هذه المواقف السيئة والتخاريف وأدنتُهُ عليها، موقفي واضح في هذا منذ سنوات، كتبتُه كناقد للشعر وأستاذ جامعي. ولم يبق شاعر عراقي وناقد لم يُدنْه عليها.

سعدي مات شاعراً منذ سنوات، منذ التسعينيات لم يكتب قصيدة، وما يكتبه من نصوص هي أوعية لأحقاد وسموم ترتدّ عليه.

دانه كما قلت على مواقفه مثقفون أنا بينهم وشعراء ورجال ثقافة، ولم يردّ على إساءاته رجل دولة من أولئك الذين اعتدى عليهم مثل المرحوم جلال طالباني وغيره، بل ردّ الفريق عبد الوهاب الساعدي إساءته بالإحسان وقال عنه ((الله يغفر له، ما أحسن التقدير، ومهما يكن عراقي ومحسوب علينا)).

هذا سعدي الختام المأسوف عليه.

اليوم تصرّفتُ كوزير في دولة جديدة وليس كناقد للشعر.

ما سيبقى من سعدي شيء واحد وهو الشاعر الكبير الذي حجز مكانه في تاريخنا الشعري ومعتمدنا الأدبي (المعتمد الأدبي مصطلح لما استقرّ من أدب عظيم في أمة معينة) منذ امرئ القيس حتى السياب، هذا المكان الكبير لم أرد لدولة ما بعد 2003 أن تغفله وتسقط فيما سقطت فيه دولة البعث بإهمال الجواهري ومصطفى جمال الدين وأضرابهما، لمجرد عدم تحمّل التفاتة عناية بمريض، والدولة وشعب العراق وأنتم النخبة أولى بمثل هذه المواقف السامية التي يزخر بها تاريخنا وحكاياتنا، وتختزنها موسوعاتنا وسِيَرُ أئمتنا من ردّ الإساءة بالإحسان في موقف الضيق.

إساءات سعدي كثيرة طالت إحداها السيد السيستاني وأحسب أن لو طُلب من المرجع رعايته مريضاً لرعاه، وقبله رعى النبي (ص) الشاعر كعب بن زهير بعد الهجاء الذي رمى به النبي (ص)، وغير هذه القصص كثير ممّا يبني أخلاق التسامح ويرقّيها على أخلاق النقمة والانتقام.

وأحسب أن الدولة لو تحاسب على المواقف السيئة لكبار شعرائها لكان علينا أن نحطم تمثال الرصافي وسط بغداد لأن مواقفه الطائفية السيئة وكتابته عن النبي (ص) قذرة بكلّ معنى الكلمة، ولا تقلّ عن مواقف سعدي حقداً. لكنه باق في ذاكرة العراق والعرب عملاقاً شعرياً أول من مجّده الجواهري بقصائد خالدة مدحاً في حياته ورثاء في مماته.

هل تتذكرون موقف دولة البعث من الشاعر أبي نواس، حين أرادت إزالة تمثاله لأصله الأعجمي.

إن أخطر شاعر موّه على العراقيين سمومه هو عبد الرزاق عبد الواحد، فقد قتل العراقيين مع صدام بقلمه، وظل نصيراً لصدام حتى النفس الأخير، لكنه لم يسقط فيما سقط فيه سعدي من إساءات وتخاريف، بل كتب لنا قصيدة عن الإمام الحسين أنست الناس جرائمه الشعرية في القادسية.

إخواني

لسعدي يوسف 8 مجلدات من الشعر وعشرات الكتب الأخرى والترجمات، وله تأثير ضخم في الشعرية العربية.

دعونا نصفح عن تخاريفه في أرذل العمر ونتمسك بكثير من مؤلفاته المبدعة، ونقول مثل تشرتشل في مقولته ((لو خيرونا بين التخلي عن كل مستعمراتنا، وبين مؤلفات شكسبير، لاحتفظنا بما تركه شكسبير))، ولدى سعدي إبداع كبير لا يُنسى ، سيبقى بعد أن يزول ونزول وتزول تخاريفه وتُنسى.

هدفي أبعد من العناية بسعدي، أبعد من رعاية مريض، أبعد من الآني الذي يحفّ بنا.

تحية لكم جميعاً وأعتقد بأن آراءكم المتباينة تنطلق من مبدأ واحد لديكم هو الحرص على بلدنا وثقافتنا، كلّ من زاوية نظره.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى