ثقافة وفن

ابناء الموصل.. سلاما

بقلم : كافي لازم

متابعة العربية 24 نيوز : ماجد لفته العابد

   سأل احد الاخوة الفنانيين الخليجيين عن الدراما في الخليج فقال نحن لم نمر بأحداث كبرى في مجتمعنا وتاريخنا معاصر فلا مشاكل كبيره لدينا ووضعنا الاجتماعي مستقر لذا نصنع الدراما بصعوبة بالغة وننجح.

فكيف بحال العراق المجتمع الكبير ذو التاريخ العريق الممتد لألاف السنين والذي لن يهدأ فكأن لب الصراعات العالمية تحدث في هذه الارض بل وكأن هناك غضب ألهي على هذه المنطقة. وأن حدث يوما اشعاع هنا او هناك يتكالب طغاة الارض لأطفائه بكل قوة وجبروت والايغال في تفنن بتعذيب ابناء هذا الوطن.

وأن المسلسل الذي أمامنا (الهروب) (انتاج قناة UTV تنفيذ شركة سحر الشرق وتأليف علاء الفارس اخراج امجد زنگنه) يحتاج الى اكثر من وقفه وأن اتى متأخرا نوعا فهو افضل من أن لا يأتي.

مع أن الموضوع كبير وخطير لا يمكن ان يستوعبه مسلسل ب15 حلقة الا ان المخرج والمؤلف حاولا جاهدين لتقديم ما يمكن تقديمه لهذا الحدث الخطير وهو احتلال داعش لمدينة الموصل وتداعيات هذا الحدث على المجتمع الموصلي.

الحياة هنا تسير بشكل طبيعي وحسنا بدأ المخرج العمل  بالحلقة الاولى في بناء درامي صحيح من حيث تسليط الضوء على شخصيات العمل وانتمائاتهم الاجتماعية والطبقية في حوار سلس واستلام سليم بين الممثلين في تلقائيه جيده. وهذا مهم لتهيئة المتلقي لاستيعاب الحلقة القادمة والتي تبدأ احداثها بأحتلال داعش وانعكاسات هذا الاحتلال على عائلة موصلية كنموذج لما جرى بالمجتمع الموصلي من اهوال كارثية.

هذه العائلة تعيش بسلام ومحبة وهدوء تتكون من أم وأبن وبنتين تتزوج احداهن وسرعان ما تلاقي هذه الفتاة و زوجها واولادها من القتل على يد داعش الا أن الاخت الاخرى يلاحقها شاب طائش ذو اخلاق سيئة(قبل سقوط الموصل) لكنها ترفضه وتتزوج رجل كادح يعمل في محل نجارة ألا ان هذا الشاب الطائش (نوفل) وقد ادى دوره الفنان (مهند هادي) استغل دخول داعش والانتماء اليه للحصول على هذه الفتاة واذلالها هي وعائلتها وقد وصل درجته بأن يكون نائب والي المنطقة(قام بأدائه الفنان القدير مقداد عبد الرضا) ويده اليمنى الضاربة.

تظهر كثير من الشخصيات الفاعلة في المسلسل فالضابط البطل في الجيش العراقي(قام بأدائه الممثل الصاعد مرتضى حبيب) قرر مواجهة داعش وحده بعد أن خذله الاخرون وقد قاتلهم بحرفية الضابط المتدرب بشكل جيد على هكذا معارك بالاشتباك القريب وقد قتل الكثير منهم الا ان نفاذ ذخيرته وعددهم الكبير ادى الى مقتله وقد مثلوا بجثته وعلقت في الساحة العامة.

وهناك شخصية حسان (اداء الفنان حسن هادي) الشخصية الطيبة الاصيلة التي جازفت بحياتها لانقاذ الكثير من ابناء المنطقة لغرض تهريبهم بسيارتة التكسي وكأنه (زيبق) يتنقل هنا وهناك بسرعة فائقة ليستعمل ذكائه لخدعة الدواعش بأي وسيلة لتخليص الناس ونجح كثيرا الا انه لم يسلم من عذابهم في دهاليز سجونهم وتمكن من الهروب. ليعاود خدمة اهالي المدينة واجاد هذا الدور بشكل رائع وجميل هذا الفنان.

وشخصية مهمه اخرى هو أمام الجامع رجل الدين المعتدل والذي يفهم الدين الاسلامي بأنه دين الرحمة والسلام وهو الاخر لم يسلم من التهديد والوعيد واصبح بيته مأوى لكل من يحتاج الحماية وقد ادى الشخصية الفنان القدير (سامي قفطان) بقدرة عاليه وبأمكاني القول هنا بأن الفنان سامي قفطان قد وجده مكانه الإبداعي في هكذا شخصية بعد ان تخلى عن الشخصية النمطيه المكرره وكان بمنتهى التألق. أما الفنانة ايناس طالب (بطلة العمل) فقد بدأ ادائها يتصاعد بعد الحلقة الثالثة فهي تمثل المرأه الموصلية الصامده التي رفضت مغادرة المدينة واصرت على التحدي بعد ان فقدت زوجها واختها واولادها وقررت ان تتنكر بشخصية اخرى والانتماء الى داعش وذلك للانتقام من زعيمهم ومساعده (نوفل) الذي دمر حياتها وحياة اسرتها عندما رفضت الزواج منه وقد نجحت في أرباك صفوفهم وكانت في المشهد الاخير منتهى التألق والابداع.

كذلك الفنان القدير مقداد عبد الرضا الذي أطل علينا بعد غياب طويل بأداء شخصية جديدة لم تتطرق لها الدراما العراقية سابقا ألا وهو والي المنطقة التي يحكمها داعش كانت شخصية سلسة وهادئة (حكيمة) في السلوك والتصرف لكنهم يخفي في داخله كل الحقد البغيض على أهل المدينة وشبابها والامر بتعذيبهم والتمثيل بهم كذلك هوسه الجنسي رغم ان عاجز لكبر سنه.

لم يستخدم الفنان مقداد عبد الرضا الصيغة التقليدية لاداء الدور الاجرامي في تشكيل تعابير الوجه والحركات الأيمائية وتغير طبقة الصوت بل كان طبيعيا يخفي في داخله الروح الاجرامية. اذا هو شخصية مركبة وتعاني من مرض نفسي وكان ادائه بمستوى هذا الفهم الذي الغى شخصية المجرم التقليدية في ذهن المتلقي.

أما الممثل مهند هادي(نوفل) سيواجه وضعا محرجا له امام الجمهور بعد انتهاء العمل حيث ادى الشخصية المجرمة بأحترافية عاليه فقد أوغل بتعذيب الاخرين حتى من كان صديقا له او جارا بعد انتمائه للتنظيم.

وقد ظهرت الفنانة سمر محمد بدور الام بأفضل حالاتها وسجلت في مسيرتها الفنية بصمة فنية لا يمكن نسيانها.

رغم الاداء المتفاوت للممثلة (كادى) بدور أم مازن ألا اننا نتخيل هذه الشخصية بعمر اكبر مع معاناة من قلة الجمال والعنوسة والغيرة واكثر قساوة.

كان اختيار اسم الخنساء لإحدى الداعشيات غير موفق وبغير محله.

لم نرى الكثير من ممارسات داعش بين الناس وكيف يحكمون على الميت بلا اكرام وفي الاسواق واخذ ألأتاوات وكذلك لم نرى المقاتلين العرب او الاجانب ولا حتى جهاديات النكاح. لقد حاول المؤلف(علاء الفارس) وهو ممثل ايضا في دور قصي حسنا فعل عندما حصر العمل بهذه العائلة وفي منطقة او حي واحد وألا لا يمكن حصر ما جرى في الموصل من افعال من قبل داعش وهناك مئات القصص والحكايات مع أننا لم نسمع في العمل لهجة اهل الموصل المحببة بل ولا حتى اللكنه الموصلية انما بالعكس سمعنا مفردات من أهل الجنوب في الحلقات الاخيرة لا سيما كلمة (خوية). لا شك هنا جهد مبذول من المخرج (احمد زنگنه) في تصوير الامكنه وبناء الديكورات التي تحاكي المنطقة رغم اننا لم نرى معالم الموصل التأريخيه. وكان لابأس من دعم المسلسل بأفلام تسجيلية بكيفية تدمير المعالم الاثرية وكذلك دخول الجيش العراقي وتأمين الممرات ألآمنة وتعامل الجيش مع الاهالي.

أما الموسيقى التصويرية (وهي تأليف الموسيقار الكبير نصير شمة) لها الكأس المعلى في تصوير الحالات الفكرية والنفسية لجميع المشاهد…

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى