ثقافة وفن

أدب الطفل في الجزائر

من براءة الحلم إلى سذاجة الواقع

الجزائر : كنزة مباركي

بعيدا عن وهج التتويج الذي يعرفه النص الأدبي الجزائري الموجّه للطفل في الخارج، يقبع هذا الأدب في حيز بقعة هامشية مظلمة في الداخل، ويضيق بكُتَّابه الأفقُ إلى أن يصير في نظرهم وأمام توقعاتهم كسقفِ كوخٍ مهترئ منذور للسقوط في أي وقت وتحت تهديد همسةِ يأسٍ خفيفةٍ.

هي الحقيقة من غير مبالغة، استنادا إلى مشهدٍ أدبي يتضاءلُ فيه الاهتمامُ الجاد بأدب الطفل وثقافته، وتغيبُ عنه تقاليد محترمة لصناعة كِتَاب الطفل والفتيان، وتُبْعَثُ المهرجانات والتظاهرات المتخصصة في هذا الأدب برعاية (المناسباتية) و(مرّ الكرام)

[[1]]، مع غياب تمثيل الطفل الجزائري إعلاميا بمجلةٍ أو دوريةٍ محترمةٍ متخصصة في ثقافته وشؤونه

[[2]]، أو ببرنامج تلفزيٍّ ذي جودةٍ وقيمة، يمتصُّ فترات شَتَاتِهِ بين الوسائط من دون هدف ولا غاية، ولا حتى منشورات وسائطية ورقمية جيدة تبعث حلولا مبتكرة وذكية لمأزق المشهد الأدبي والثقافي عموما، والمتخصص في ثقافة الطفل خصوصا. وفوق هذا كله؛ وأدُ بوادر أي تجربة فردية تنبئ بالخير في مجال النشر وتعميم فعل القراءة والمطالعة لدى الأطفال واليافعين.

قد يأتي الجواب عن سؤال مكانة أدب الطفل في سياق النشر والمشهد الأدبي في الجزائر ومكانة الطفل في الإعلام اليوم بنبرةٍ أشد يأسا وهو يستوعب الأسبابَ نفسها التي استوعبها في محاولاتٍ سابقةٍ للإجابة عن السؤال نفسِهِ، وهنا؛ وَجَبَ تَلَافِي الانخراطِ في عملية اجترارٍ لكل ما قيل من قبل، مع محاولةِ وضع الاشكالية في موقعها الأنسب اليوم، بمساءلة واقع أدب الطفل ضمن احداثيات خريطةِ المستقبل على حدود بلدٍ لطالما أقررنا ضمنيًّا بأن عدم مواكبتِه لما يحدثُ من تطوُّرٍ في العالم حوله لا تطاله مساعي وجهود ساكنته، لنتفنن في لعب دور الضحية مسلِّمينَ بتخلُّفِنا كقدرٍ محتوم!!!

▪️علاقةٌ وثيقةٌ بالإرادة السياسية وامتدادٌ للمشروع المجتمعي

لا يمكن الحديثُ عن حالةٍ صحية لأدب الطفل في الجزائر، وعن مقروئية أدب الطفل مع غياب استراتيجية ثقافية وتربوية تعمد من خلالهما وزارتا الثقافة والتربية والتعليم مثلا إلى ملء المساحات الفارغة التي تصل فيما بينهما، وتشبِّك علاقاتهما كمؤسستين رسميتين، فتُدرَجُ نصوص عالمية، عربية وجزائرية موجهة للأطفال في المنهاج التربوي. وبالأخص، منتخبات جيدة من الأعمال الأصيلة لكتاب جزائريين، ومن بينهم الكتاب الشباب. بالإضافة إلى تخصيص ميزانيات مناسبة لاقتناء الكتب والمنشورات الموجهة للطفل، وتزويد المكتبات المدرسية، دور الشباب، نوادي القراءة والمطالعة، مكتبات دور الثقافة، ومكتبات المطالعة البلدية والولائية بها.

إنه لمن غير المعقول أن تبقى مكتباتنا المدرسية وغير المدرسية رهينة وضع مبهم، تتراوح بين الحضور والغياب، بأرفف شبه فارغة، أو عامرة بكتب منتقاة بغير عناية، ومن غير المعقول أيضا أن يتواصل تجاهل الثقافة رسميا إلى الآن عندنا، وأن تفشل مشاريع الإصلاح التربوي والتقارب التربوي الثقافي فيما بين وزارتين بعثتا في السابق أكثر من مشروع ومبادرة لم تعطنا إلى الآن نتائج تغير واقع الحال، لتؤكد فرضية سيرنا بخطى متثاقلة فيما العالمُ سائرٌ بذكاءٍ ودهاءٍ لجعل الثقافة قوةً تُخترقُ الشعوب وتُستعمر بها وهي في قمة انتشائها وزهوها بهذا الاستعمار اللطيف الذي لبس زي (القوة الناعمة) فوق أسمال (الغزو الثقافي).

يقتضي وضع أدب الطفل ضمن احداثياته على خريطةِ إيقاعِ المستقبلِ إحداثَ قطيعةٍ مع الممارسات السابقة التي حالت دون الاهتمام بأداء المدرسة لأدوارها الحقيقية، إذ اقتصرت مؤسساتنا التربوية والتعليمية على دوري التحصيل العلمي والتقويم فحسب، مغفلة دور التربية الأخلاقية، الفنية والجمالية، ودور التثقيف والترفيه الهادف، وأكبر دليل على ذلك، هو خُلُوّ المنهاج التربوي أو عدم ثرائه بالمقاييس، الحصص، المواد والمواضيع المرتبطة بالأنشطة الفنية مثل التربية الموسيقية، الرسم، المسرح والرياضات الفردية والجماعية. وحتى المطالعة، لم تأخذ النصيب الأنسب لتغذية عقل الطفل. ناهيك عن غياب المكتبات المدرسية ومكتبات الأقسام التي توفر القصص والكتب للتلاميذ وتوفر معها فرصا ثمينة لتكوينهم ثقافيا. ولن يكفي اليوم ونحن نشهد التحول الرقمي الذي جاءت به الثورة الرقمية، أن نوجه الطفل إلى القراءة من دون أن نعزز ميله للتكنولوجيا ووسائطها، بوضع مفاتيح المعرفة التقنية بين يديه، وتشجيعه على الابتكار، واستغلال هذه الوسائط التي تلائم هذا الجيل الجديد في التعليم، الأدب والصحافة.

لا مناص من القول إذن، إن علاقة هذا الوضع بالبعد السياسي هي علاقةٌ وثيقةٌ جدا، فوجود أدبِ طفلٍ محترم في دور ودوائر النشر والكتاب، أفضية النشاطِ، ومساحات الإعلام هو في النهاية أمرٌ مرتبط بالإرادة السياسية في البلد، ويرتبط في امتداده السياسي أيضا بالمشروع المجتمعي الذي لا يزال يراوحُ مراحله الأولى للتكوُّنِ والتكوينِ وبناء الوعي والتثقيف.

▪️شمعةٌ في عتمةِ اليأس

إن واقع الحال يشير إلى تذبذبٍ تعرفه صناعة الكتاب عموما، وكتاب الطفل خصوصا، مع وجود محاولات لأصحاب بعض دور النشر المهتمة بكتاب الطفل، تترجِمُ وعيهم بأهمية هذا الأدب، إلا أن هذا الوعي لم يترجم واقعيا في شكل مشاريع موفقة، إن على مستوى النشر الورقي أو الإلكتروني، والنشر بالوسائط المتعددة لمنتج أدب الطفل، أما ما نراه منتشرا ومكرَّسًا بقوة؛ فيحكمه غالبا معيار الكم والربح التجاري لا النوعية والبعد الثقافي.

مع ذلك؛ لا تخلو الساحة الثقافية في الجزائر من مبادرات فردية ومؤسسية خاصة تحاول تقديم سندٍ لفعل القراءة والمطالعة، لعل من بين أهمها وأحدثها، تجربة دار الوطن اليوم التي وددت الإشارة إليها، ليس من باب تغطية جهود وتجارب أخرى مهمة بالتأكيد، وتحتاج التفاتة من المؤسسة الرسمية لمنحها ضمانات امتن للنشاط والتأسيس لصناعة كتاب جادة ومحترمة، ولكن من باب تخصيص (المقال الموافق للمقام)، فقد قدمت دار الوطن اليوم مشروع (الدليل الوطني للقراءة)[[3]]المركِّز على المطالعة والقراءة كفعل يتطلب التعميم والنشر ليصبح فعلا ثقافيا، يعكس البعد الاجتماعي للثقافة من حيث هي ممارسات اجتماعية يقترن الفن والأدب فيها بالعادات والسلوك المجتمعي، ومن حيث هي نظرية في السلوك أكثر منها نظريةً في المعرفة بحسب مالك بن نبي الذي فرق بين الثقافة والعلم، وربطها بالحضارة[[4]]

وقتها، قد يكون لما ينظم من فعاليات تحتفل بالقراءة صدى لدى أطفال سيعرفون الكتاب جيدا، فمهرجان القراءة في احتفال الذي ترعاه وزارة الثقافة الجزائرية وتنظمه مكتبات المطالعة الرئيسية ودور ومديريات الثقافة عبر ولايات الوطن منذ سنوات، يحمل فكرة جيدة في احتفائه بالقراءة  وتحبيبها للطفل، وترسيخها قيمة وعادة ممتعة لديه مرتبطة بالأجواء الاحتفالية، لكنه لم يجسد بما يعكس فعلا ما رسم له من أهداف، لاعتبارات عدة، يرجع بعضها لما أشرنا إليه سابقا بأن الأطفال لا يعرفون الكتاب كرفيق دائم، ويعود بعضها الآخر لكون أغلب المشرفين على هذا المهرجان والمشاركين فيه غير مختصين ولا مهتمين بعالم القراءة والطفولة.

إن الجميل في مشروع (الدليل الوطني للقراءة)، هو وضعه – وهو يُبنَى- على طاولة النقاش، الإثراء، التعديل، النقد والتقويم من قبل جميع المختصين والمهتمين بشؤون الكتاب والأدب والقراءة. وهي المَيّزة التي لفتتني إلى هذه التجربة المستحقة للدعم من قبل المؤسسات الثقافية الرسمية والأفراد وفي مقدمتهم الآباء والأمهات، والمجتمع المدني.

▪️الكتابةُ للطفل.. أصل الحكاية

بالعودة إلى الأصل، يمكن أن نتحدث عن أدب الطفل في حد ذاته، وعن كُتّابه وما يُنتظر منهم اليوم وهم يتوجهون إلى الطفل بكتاباتهم. إذ من الخطأ التفكير بأن الطفل يأخذ بالموضوعات التي نختارها له من وحي تفكيرنا واختياراتنا، وظننا بأن ذلك أفيد له وأنسب، والحقيقةُ أن الطفل يحدد بنفسه ما يُوَجَّهُ إليه من موضوعات في الأدب الذي يخصه، ونحن نكتب له من منطلقه هو لا من منطلقنا نحن.

يليق بالكتابةِ للطفلِ دخولها بوعيٍ بأهمية المعرفة، التذوق الجمالي واللغوي والترفيه ضمن ما يوجَّهُ للناشئة، مع الحرص على منحهم كل ذلك في توليفة سحرٍ، دهشةٍ، حلم، وحذر. فالطفلُ اليوم لا يستقبل ما نلقنه إياه بسطحية، إنه أذكى من أن نكتب له عن غابةٍ بها حيواناتٌ تنقل الحكمةَ إليه في وعظ جاف، لا في حكاية تحفز خياله ليصورها، وهو المقبلُ على عالم ديجيتالي تكاد تتحول فيه الروبوتات إلى جدَّاتِ المستقبل اللواتي سيأخذُ عنهنَّ الحكايةَ وما فيها من أسرار وحكم وابتكار. يليق بها ذلك، فالكتابة للطفل طفلٌ بين أيدينا، يحتاج أن نحبه ونحن نربيه، وأن ننغمس في اهتماماته، لنفهمه وندرك ما يحتاجه قبل أن نطلب منه أن يفهمنا ويدرك ما نقوله ونفعله له.

حريٌّ بنا الانتباهُ ونحن نكبرُ ونُدرِكُ زمانا غير الزمان الذي عشناه؛ إلى أن هناك أطفالا يولدون في هذا الزمان، ويفتحون أعينهم على غير ما فتحنا نحن أعيننا في زماننا الفائت، حريٌّ بنا ونحن في غمرة انتباهنا أن نلبس الوعي بهذا الأمر على أفكارٍ متجددة، لا على أفكار بائدة، فنكتب للطفل المولود في العصر الرقمي بمنطق هذا العصر، منتهين عما نصدره من أحكام مطلقة بأن التكنولوجيا الحديثة التي غيَّرت نمط حياتنا اليومَ شرٌّ محدقٌ بنا وبمستقبل أطفالنا. متناسين أننا قبل دخول الانترنت بيوتنا لم نكن شعبا يقرأ، ويهتم بالكتاب ويخصص له مكتبات في البيوت، ولم نكن نهتم كثيرا لاقتناء كتابٍ نَوْعي لأطفالنا كهدية في مناسبات كثيرة إلا نادرا، فالكتاب لدى غالبية الأسر الجزائرية لم يدخل كثيرا ضمن أولوياتها، ولم تنتشر عندها ثقافة تخصيص ميزانية له، وربما لن نلقي باللوم كاملا على هذه الأسر التي لا تجد اليوم نصف الميزانية للقوت فما بالك بميزانية للكتاب الذي يرتفع ثمنه وتنخفض قيمة وجودة محتواه.

▪️انتباه.. جيل ألفا بيننا

يوجد بين أطفال هذا العصر، فئتان عمريتان من (جيل ألفا)[[5]]، هما الفئتان (من 4 إلى 6 سنوات) و (من 7 إلى 9 سنوات)، وهم أبناء التكنولوجيا والعصر الرقمي، الذين ينظر بعضنا إليهم بعين المشفق لحالهم، المتخوف من الخطر الذي سيقضي عليهم نفسيا وإدراكيا، وسيتسبب في فشلهم وضياع مستقبلهم، وهو ما دحضه علماء النفس والمختصون في ثقافة الطفل وأدبه في دراسات حديثه[[6]]

يتعين على الآباء والأمهات، المربين وكُتَّاب أدب الطفل أن يغيروا الطريقة التي يعاملون بها الطفل الرقمي اليوم، وأول ما يجب أن نبدأ به التغيير هو التوقف عن تبرير عجزنا عن بناء عادات جميلة في سلوك أطفالنا بالقول إنهم متمردون. فهذا الجيل عاشق للابتكار، مستعجل سريع كعصره، ذكي ويقظ، يميل إلى القصص المبتكرة المشوقة، المغلفة بالإبهار والدهشة في اختصار. ويحب أن نُعزز ثقته بنفسه، لا أن نُنقص من قيمة ما يقبل عليه ويختاره، ولعل ذلك راجع لكون هذا الجيل يحمل خصائص كثيرة ملفتة، فغالبية العمليات اللغوية والذهنية تتطور لديه في المرحلة العمرية من (02 إلى 07 سنوات)[[7]]، وهو بذلك، يعيش طفولة سريعة وقصيرة جدا، على عكس الأجيال التي سبقته تماما.

قد تكون طريقة الكتابة للطفل لدى أكثريتنا من الكُتَّاب متأسِّيةً بطريقة التربية الخاطئة للطفل، فننسى ونحن نكتب له كما ننسى ونحن نربيه بأنه لا يحتاج أن نلقنه ما يجب ألا يفعل من دون أن نوجهه إلى ما يستحب أن يفعل، ونندفعُ بقوة نحو (التلقين) بدل الذهاب إليه بالحوار والتفاعل والمشاركة واللعب[[8]]. إن طفل اليوم لا ينتظر منا وعظا وإرشادا في التربية كما في الأدب، ولكنه ينتظر أن نمنحه كل ما يريد بفن، وأن نعيش وإياه هذه التجربة بمتعة مشتركة.

▪️هلاَّ بدأنا الآن؟ ذاك هو الأهم

ربما يكون التحرر من ربقة الانغماس في الحديث عن المشكل عبورا آمنا إلى نقطة البداية، وإن كان مهماًّ أن ندرك بعد تاريخٍ حافلٍ صنعه رواد أدب الطفل في الجزائر، أننا توقفنا عند اللحظة الحاسمة التي سلمونا المشعل فيها، وانشغلنا بتحويل بوصلة الثقافة نحو الجهات الخاطئة؛ فإن الأهم من ذلك في وقتنا الحالي، هو استعادة وعينا المخدَّر بالإيديولوجيا، وذوقنا الذي بدأ يستأنس الرداءة ويَأْلفُ وجودها، وشغفنا بالآداب والفنون وقد استبدلناه باشتهاء العبودية بكامل أشكالها وأطيافها، فخرجنا بأدب الطفل كما بآداب وفنون الكبار من براءة الحلم إلى واقعٍ ساذج.

العراق واحد موحد من زاخو الى الفاو

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى